الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) . الفاء جواب إذا ، والذكر هنا الدعاء والتضرع والثناء ، أو صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة ، أو الدعاء . وهذه الصلاة أقوال ثلاثة يبني عليها أهل الأمر ، أمر ندب ، أم أمر وجوب ؟ وإذا كان الذكر هو الصلاة فلا دلالة فيه على الجمع بين الصلاتين ، فيصير الأمر بالذكر بالنسبة إلى الجمع بين الصلاتين مجملا يبينه فعله - صلى الله عليه وسلم ، وهو سنة بالمزدلفة . ولو صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة ، فقال أبو حنيفة ، ومحمد : لا يجزئه ، وقال عطاء ، وعروة ، والقاسم ، وابن جبير ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : ليس الجمع شرطا للصحة . ومن له عذر عن الإفاضة ممن وقف مع الإمام صلى كل صلاة لوقتها ، قاله ابن المواز . وقال مالك : يجمع بينهما إذا غاب الشفق ، وقال ابن القاسم : إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل ، فليؤخر الصلاتين حتى يأتيها ، وإلا صلى كل صلاة لوقتها .

وهل يصليهما بإقامتين دون أذان ؟ أو بأذان واحد للمغرب وإقامتين ؟ أو بأذانين وإقامتين ؟ أو بأذان وإقامة للأولى ، وبلا أذان ولا إقامة للثانية ؟ أقوال أربعة .

الأول : قول سالم ، والقاسم ، والشافعي ، وإسحاق ، وأحمد في أحد قوليه . والثاني : قول زفر ، والطحاوي ، وابن حزم ، وروي عن أبي حنيفة . والثالث : قول مالك . والرابع : قول أبي حنيفة ، والسنة أن لا يتطوع الجامع بينهما .

والمشعر مفعل من شعر ، أي : المعلم ، والحرام : لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما نهي عنه من محظورات الإحرام . وهذا المشعر يسمى جمعا ، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضى عرفة إلى بطن محسر ، قاله ابن عباس ، وابن عمر ، وابن جبير ، ومجاهد . وتسمي العرب وادي محسر : وادي النار ، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام ، والمأزم المضيق ، وهو مضيق واحد بين جبلين ، ثنوه لمكان الجبلين . وقيل : المشعر الحرام هو قزح ، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة . قيل : وهو الصحيح لحديث جابر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى الفجر ، يعني بالمزدلفة ، بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام ، فدعا وكبر وهلل ، ولم يزل واقفا حتى أسفر ، فعلى هذا لم تتعرض الآية المذكورة للذكر [ ص: 97 ] بالمزدلفة ، لا على أنه الدعاء ولا الصلاة بها ، وإنما هذا أمر بالذكر عند هذا الجبل ، وهو قزح الذي ركب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عنده وكبر وهلل ، ووقف بعد صلاته الصبح بالمزدلفة بغلس حتى أسفر ، ويكون ثم جملة محذوفة التقدير : فإذا أفضتم من عرفات ، ونمتم بالمزدلفة ، فاذكروا الله عند المشعر الحرام . ومعنى العندية هنا القرب منه ، وكونه يليه . ومزدلفة كلها موقف ، إلا وادي محسر ، وجعلت كلها موقفا لكونها في حكم المشعر ومتصلة به ، وقيل : سميت المزدلفة وما تضمنه الحد الذي ذكر مشعرا ، ووحد لاستوائه في الحكم ، فكان كالمكان الواحد . وقال في ( المنتخب ) : هذا الأمر يدل على أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ، ويكفي فيه المرور كما في عرفة ، فأما الوقوف هناك فمسنون ، انتهى كلامه . وكون الوقوف مسنونا هو قول جمهور العلماء ، وقال أبو حنيفة : هو واجب ، فمن تركه من غير عذر فعليه دم ، فإن كان له عذر أو خاف الزحام فلا بأس أن يعجل بليل ، ولا شيء عليه . وقال ابن الزبير ، والحسن ، وعلقمة ، والشعبي ، والنخعي ، والأوزاعي : الوقوف بمزدلفة فرض ، ومن فاته فقد فاته الحج ، ويجعل إحرامه عمرة .

والآية لا تدل إلا على مطلوبية الذكر عند المشعر الحرام ، لا على الوقوف ، ولا على المبيت بمزدلفة ، وأجمعوا على أن المبيت ليس بركن . وقال مالك : من لم يبت بها فعليه دم ، وإن أقام بها أكثر ليلة فلا شيء عليه : لأن المبيت بها سنة مؤكدة عند مالك . وهو مذهب عطاء ، وقتادة ، والزهري ، والثوري ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . وقال الشافعي : إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه ، أو قبله افتدى ، والفدية شاة . ومطلق الأمر بالذكر لا يدل على ذكر مخصوص . قال بعضهم : وأولى الذكر أن يقول اللهم كما وفقتنا فيه فوفقنا لذكرك كما هديتنا ، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق : ( فإذا أفضتم ) ، ويتلو إلى قوله : ( إن الله غفور رحيم ) ، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة . والذي يظهر أن ذكر الله هنا هو الثناء عليه ، والحمد له ، ولا يراد بذكر الله هنا ذكر لفظة الله ، وإنما المعنى : اذكروا الله بالألفاظ الدالة على تعظيمه ، والثناء عليه ، والمحمدة له . و " عند " منصوب بـ " اذكروا " ، وهذا مما يدل على أن جواب " إذا " لا يكون عاملا فيها : لأن مكان إنشاء الإفاضة غير مكان الذكر : لأن ذلك عرفات ، وهذا المشعر الحرام ، وإذا اختلف المكانان لزم من ذلك ضرورة اختلاف الزمانين ، فلا يجوز أن يكون الذكر عند المشعر الحرام واقعا وقت إنشاء الإفاضة .

( واذكروه كما هداكم ) هذا الأمر الثاني هو الأول ، وكرر على سبيل التوكيد والمبالغة في الأمر بالذكر : لأن الذكر من أفضل العبادات ، أو غير الأول ، فيراد به تعلقه بتوحيد الله ، أي : واذكروه بتوحيده كما هداكم بهدايته ، أو اتصال الذكر لمعنى : اذكروه ذكرا بعد ذكر ، قال هذا القول محمد بن قاسم النحوي ، والذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع ، ويراد بالأول صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة ، حكاه القاضي أبو يعلى . والكاف في " كما " للتشبيه ، وهي في موضع نصب إما على النعت لمصدر محذوف ، وإما على الحال . وقد تقدم هذا البحث في غير موضع . والمعنى : أوجدوا الذكر على أحسن أحواله من مماثلته لهداية الله لكم ، إذ هدايته إياكم أحسن ما أسدى إليكم من النعم ، فليكن الذكر من الحضور والديمومة في الغاية حتى تماثل إحسان الهداية ، ولهذا المعنى قال الزمخشري : اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ، انتهى . ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل على مذهب من أثبت هذا المعنى للكاف ، فيكون التقدير : كما هداكم ، أي : اذكروه وعظموه للهداية السابقة منه تعالى لكم ، وحكى سيبويه : كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه ، أي : لأنه لا يعلم ، وأثبت لها هذا المعنى الأخفش ، وابن برهان . و " ما " في " كما " مصدرية ، أي : كهدايته إياكم ، وجوز الزمخشري ، وابن عطية أن تكون " ما " كافة للكاف عن العمل ، والفرق بينهما أن " ما " المصدرية [ ص: 98 ] تكون هي وما بعدها في موضع جر ، إذ ينسبك منها مع الفعل مصدر ، والكاف لا يكون ذلك فيها إذ لا عمل لها البتة ، والأولى حملها على أن " ما " مصدرية : لإقرار الكاف على ما استقر لها من عمل الجر ، وقد منع أن تكون الكاف مكفوفة بـ " ما " عن العمل أبو سعد ، وعلي بن مسعود بن الفرخال صاحب ( المستوفي ) ، واحتج من أثبت ذلك بقول الشاعر :


لعمرك إنني وأبا حميد كما النشوان والرجل الحليم     أريد هجاءه وأخاف ربي
وأعلم أنه عبد لئيم



والهداية هنا خاصة ، أي : بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم - صلى الله على نبينا وعليه - فـ " ما " عامة تتناول أنواع الهدايات من معرفة الله ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه .

( وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) ، " إن " هنا عند البصريين هي التي للتوكيد المخففة من الثقيلة ، ودخلت على الفعل الناسخ كما دخلت على الجملة الابتدائية ، واللام في " لمن " ، وما أشبهه فيها خلاف : أهي لام الابتداء لزمت للفرق ؟ أم هي لام أخرى اجتلبت للفرق ؟ ومذهب الفراء في نحو هذا : " إن " هي النافية بمعنى ما ، واللام بمعنى إلا ، وذهب الكسائي إلى أن إن بمعنى : قد ، إذا دخل على الجملة الفعلية ، وتكون اللام زائدة ، وبمعنى ما النافية إذا دخل على الجملة الاسمية ، واللام بمعنى إلا ، ودلائل هذه المسألة تذكر في علم النحو . فعلى قول البصريين : تكون هذه الجملة مثبتة مؤكدة لا حصر فيها ، وعلى مذهب الفراء : مثبتة إثباتا محصورا ، وعلى مذهب الكسائي : مثبتة مؤكدة من جهة غير جهة قول البصريين . و " من قبله " يتعلق بمحذوف ، ويبينه قوله لمن الضالين ، التقدير : وإن كنتم ضالين من قبله لمن الضالين ، ومن تسمح من النحويين في تقديم الظرف والمجرور على العامل الواقع صلة للألف واللام ، فيتعلق على مذهبه من قبله بقوله من الضالين ، وقد تقدم نظير هذا . والهاء في " قبله " عائدة على الهدى المفهوم من قوله " هداكم " أي : وإن كنتم من قبل الهدى لمن الضالين ، ذكرهم تعالى بنعمة الهداية التي هي أتم النعم : ليوالوا ذكره والثناء عليه تعالى والشكر الذي هو سبب لمزيد الإنعام ، وقيل : تعود الهاء على القرآن ، وقيل : على النبي - صلى الله عليه وسلم . والظاهر في الضلال أنه ضلال الكفر ، كما أن الظاهر في الهداية هداية الإيمان ، وقيل : من الضالين عن مناسك الحج ، أو عن تفصيل شعائره .

التالي السابق


الخدمات العلمية