الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) ، نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الهلال ، وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والربيع ، وغيرهم . وروي أن من سأل هو معاذ بن جبل ، وثعلبة بن غنم الأنصاري ، قالا : يا رسول الله ! ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ، لا يكون على حالة واحدة ؟ فنزلت .

ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، وهو أن ما قبلها من الآيات نزلت في الصيام ، وأن صيام رمضان مقرون برؤية الهلال ، وكذلك الإفطار في شهر شوال ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم : " صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته " . وكان أيضا قد تقدم كلام في شيء من أعمال الحج ، وهو الطواف ، والحج أحد الأركان التي بني الإسلام عليها . وكان قد مضى الكلام في توحيد الله تعالى ، وفي الصلاة ، والزكاة ، والصيام ، فأتى بالكلام على الركن الخامس وهو الحج ، ليكون قد كملت الأركان التي بني الإسلام عليها . روي عن ابن عباس أنه قال : ما كان أمة أقل سؤالا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سألوا عن أربعة عشر حرفا ، فأجيبوا ، منها في سورة البقرة : أولها : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) ، والثاني : هذا ، وستة بعدها ، وفي غيرها : ( يسألونك ماذا أحل لهم ) ، ( يسألونك عن الأنفال ) ، ( ويسألونك عن الروح ) ، ( ويسألونك عن ذي القرنين ) ، ( ويسألونك عن الجبال ) ، ( يسألونك عن الساعة ) ، قيل : اثنان من هذه الأسئلة في الأول في شرح المبدأ ، واثنان في الآخر في شرح المعاد ، ونظيره أنه افتتحت سورتان بـ ( يا أيها الناس ) ، الأولى وهي الرابعة من السور في النصف الأول ، تشتمل على شرح المبدأ ، والثانية وهي الرابعة أيضا من السور في النصف الآخر تشتمل على شرح المعاد .

والضمير في يسألونك ضمير جمع على أن السائلين جماعة ، وإن كان من سأل اثنين ، كما روي ، فيحتمل أن يكون من نسبة الشيء إلى جمع ، وإن كان ما صدر إلا من واحد منهم أو اثنين ، وهذا كثير في كلامهم ، قيل : أو لكون الاثنين جمعا على سبيل الاتساع والمجاز . و " الكاف " : خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - و " يسألونك " خبر ، فإن كانت الآية نزلت قبل السؤال كان ذلك من الإخبار بالمغيب ، وإن كانت نزلت بعد السؤال ، وهو المنقول في أسباب النزول ، فيكون ذلك حكاية عن حال مضت . و " عن " متعلقة بقوله : " يسألونك " يقال : سأل به وعنه ، بمعنى واحد ، ولا يراد بذلك السؤال عن ذات الأهلة ، بل عن حكمة اختلاف أحوالها ، وفائدة ذلك ، ولذلك أجاب بقوله : ( قل هي مواقيت للناس ) ، فلو كانت على حالة واحدة ما حصل التوقيت بها .

والهلال هو مفرد وجمع باختلاف أزمانه ، قالوا : من حيث كونه هلالا في شهر ، غير كونه هلالا في آخر . وقرأ الجمهور " عن الأهلة " بكسر النون وإسكان لام الأهلة بعدها همزة ، وورش على أصله من نقل حركة الهمزة وحذف الهمزة ، وقرأ شاذا بإدغام نون " عن " في لام الأهلة بعد النقل والحذف . ( قل هي ) ، أي : الأهلة ( مواقيت للناس ) ، هذه : الحكمة في زيادة القمر ونقصانه ، إذ هي كونها مواقيت في الآجال ، والمعاملات ، والأيمان ، والعدد ، والصوم ، والفطر ، ومدة الحمل والرضاع ، والنذور المعلقة بالأوقات ، وفضائل الصوم في الأيام التي لا تعرف إلا بالأهلة . وقد ذكر تعالى هذا المعنى في قوله : ( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) ، وفي قوله : ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ) . وقال الراغب : الوقت الزمان [ ص: 62 ] المفروض للعمل ، ومعنى : مواقيت للناس أي ما يتعلق بهم من أمور معاملاتهم ومصالحهم ، انتهى . وقال الرماني : الوقت مقدار من الزمان محدد في ذاته ، والتوقيت تقدير حده ، وكلما قدرت له غاية فهو موقت ، والميقات منتهى الوقت ، والآخرة منتهى الخلق ، والإهلال ميقات الشهر ، ومواضع الإحرام مواقيت الحج : لأنها مقادير ينتهي إليها ، والميقات مقدار جعل علما لما يقدر من العمل ، انتهى كلامه .

وفي تغيير الهلال بالنقص والنماء رد على الفلاسفة في قولهم : إن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها ، فأظهر تعالى الاختلاف في القمر ، ولم يظهره في الشمس ، ليعلم أن ذلك بقدرة منه تعالى . والحج : معطوف على قوله : " للناس " . قالوا : التقدير ومواقيت للحج ، فحذف الثاني اكتفاء بالأول ، والمعنى : لتعرفوا بها أشهر الحج ومواقيته . ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة ، أفرد بالذكر ، وكأنه تخصيص بعد تعميم ، إذ قوله : مواقيت للناس ، ليس المعنى مواقيت لذوات الناس ، وإنما المعنى : مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت دينا ودنيا . فجاء قوله : " والحج " بعد ذلك تخصيصا بعد تعميم . ففي الحقيقة ليس معطوفا على الناس ، بل على المضاف المحذوف الذي ناب الناس منابه في الإعراب . ولما كانت تلك المقاصد يفضي تعدادها إلى الإطناب ، اقتصر على قوله : " مواقيت للناس " .

وقال القفال : إفراد الحج بالذكر : لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج ، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر ، إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء ، انتهى كلامه .

وقرأ الجمهور : " والحج " بفتح الحاء . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق : " والحج " بكسرها في جميع القرآن في قوله : ( حج البيت ) ، فقيل : بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم . وقال سيبويه : الحج ، كالرد والسد ، والحج كالذكر ، فهما مصدران . والظاهر من قوله : " مواقيت للناس والحج " ، ما ذهب إليه أبو حنيفة ، ومالك من جواز الإحرام بالحج في جميع السنة لعموم الأهلة ، خلافا لمن قال : لا يصح إلا في أشهر الحج . قيل : وفيها دليل على أن من وجب عليها عدتان من رجل واحد ، اكتفت بمضي عدة واحدة للعدتين ، ولا تستأنف لكل واحدة منهما حيضا ، ولا شهورا : لعموم قوله : مواقيت للناس . ودليل على أن العدة إذا كان ابتداؤها بالهلال ، وكانت بالشهور ، وجب استيفاؤها بالأهلة لا بعدد الأيام ، ودليل على أن من آلى من امرأته من أول الشهر إلى أن مضى الأربعة الأشهر معتبر في اتباع الطلاق بالأهلة دون اعتبار الثلاثين ، وكذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين آلى من نسائه شهرا ، وكذلك الإجارات ، والأيمان ، والديون ، متى كان ابتداؤها بالهلال ، كان جميعها كذلك ، وسقط اعتبار العدد ، وبذلك حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصوم ، وفيها رد على أهل الظاهر . ومن قال بقولهم : إن المساقات تجوز على الأجل المجهول سنين غير معلومة ، ودليل على من أجاز البيع إلى الحصاد ، أو الدراس أو للغطاس وشبهه ، وهو مالك ، وأبو ثور ، وأحمد : وكذلك إلى قدوم الغزاة . وروي عن ابن عباس منعه ، وبه قال الشافعي ، ودليل على عدم اعتبار وصف الهلال بالكبر أو الصغر : لأنه يقال : ما فصل ، فسواء رئي كبيرا أو صغيرا ، فإنه لليلة التي رئي فيها .

التالي السابق


الخدمات العلمية