الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَدْ خَتَمَ الْكِتَابَ بِبَابٍ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ، فَكَفَّرَ مَنْ خَالَفَهُ، فَقَالَ: اتَّفَقُوا أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا كَمَا شَاءَ، وَأَنَّ النَّفْسَ مَخْلُوقَةٌ، وَالْعَرْشُ مَخْلُوقٌ، وَالْعَالَمُ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ. قُلْتُ: أَمَّا اتِّفَاقُ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَهَذَا حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى كُفْرِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ -الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْحَيَوَانِ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ- أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنَ ذِكْرُهُمْ مِنْ حِينِ ظَهَرَتِ الْقَدَرِيَّةُ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ إِلَى هَذَا التَّارِيخِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهُمْ قَدَرِيَّةٌ، وَكَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ بَلْ عَامَّةُ الشِّيعَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ نُسِبُوا إِلَى ذَلِكَ، مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَمْ يَجْمَعُوا عَلَى تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ. بَلْ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُمْ إِذَا جَحَدُوا الْعِلْمَ كَفَرُوا، وَإِذَا لَمْ يَجْحَدُوهُ لَمْ يَكْفُرُوا. وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ "الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ" أَنَّ الصَّحَابَةَ وَأَئِمَّةُ الْفُتْيَا لَا يُكَفِّرُونَ مَنْ أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الِاعْتِقَادِ وَلَا فُتْيَا. وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَتَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا فَهَذَا أَبْلَغُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّقْلِ لِلْإِجْمَاعِ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، لَكِنْ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ أَخْبَرَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ هَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورِ عِنْدَ الْأُمَّةِ، حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا، ثُمَّ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ كَفَرَ بِإِجْمَاعٍ. فَصَارَتْ حِكَايَتُهُ لِهَذَا الْإِجْمَاعِ مَبْنِيَّةً عَلَى هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ثَبَتَ النِّزَاعُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ حِكَايَتُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ مَنْ نَازَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كَمَا شَاءَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا تُنْسَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"، وَفِي لَفْظٍ: "ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ". وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ : رُوِيَ "كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ"، وَرُوِيَ "وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ"، وَرُوِيَ "وَلَا شَيْءَ مَعَهُ" ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا قَالَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَالْآخَرَانِ رُوِيَا بِالْمَعْنَى. وَحِينَئِذٍ فَالَّذِي يُنَاسِبُ لَفْظَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ". فَقَوْلُهُ فِي هَذَا "أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ" يُنَاسِبُ قَوْلَهُ "كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ". وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْإِجْمَاعَاتِ. فَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ نَصًّا فِيمَا ذَكَرَ فَلَيْسَ هُوَ مُتَوَاتِرًا، فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمَعْنَاهُ فِيهِ نِزَاعٌ كَثِيرٌ، فَكَيْفَ وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا ذَكَرَ. وَلَا نَعْرِفُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُدَّعَى فِيهَا الْإِجْمَاعُ وَيُدَّعَى الْإِجْمَاعُ عَلَى كُفْرِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَعْلُومَ هُوَ مَا عَلِمَتِ الْأُمَّةُ أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . فَإِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا وَتَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَ هَذَا كَانَ قَوْلُهُ مُتَوَجِّهًا. وَلَيْسَ فِي خَبَرِ اللَّهِ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مَا يَنْفِي وُجُودَ مَخْلُوقٍ قَبْلَهُمَا، وَلَا يَنْفِي أَنَّهُ خَلَقَهُمَا مِنْ مَادَّةٍ كَانَتْ قَبْلَهُمَا، كَمَا أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَخَلَقَ الْجِنَّ، وَإِنَّمَا خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ مَادَّةٍ وَهِيَ الصَّلْصَالُ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ فِيهِ نِزَاعٌ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَانَ الْعَرْشُ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ".

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية