الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَهِيَ دُخَانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . وَثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ النُّقُولِ الَّتِي يُصَدِّقُهَا مَا يُخْبِرُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنِ التَّوْرَاةِ وَمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُوَافِقَةُ لِمَا فِي الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ مَقْبُولَةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخْطَأَ فِيهِ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا لَمْ يُخْلَقَا مِنْ شَيْءٍ، بَلْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمَا مَوْجُودٌ إِلَّا اللَّهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَالْجَانَّ مِنْ مَادَّةٍ ذَكَرَهَا. وَالَّذِينَ يُثْبِتُونَ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَخْلُقُهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَيْسَ هُوَ خَلْقًا لِجَوْهَرٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِحْدَاثُ أَعْرَاضٍ يُحَوِّلُ بِهَا الْجَوَاهِرَ الْمُنْفَرِدَةَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّا لَمْ نَشْهَدْ خَلْقَ عَيْنٍ مِنَ الْأَعْيَانِ، بَلِ الرَّبُّ أَبْدَعَ الْجَوَاهِرَ الْمُنْفَرِدَةَ، ثُمَّ الْخَلْقُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِحْدَاثُ أَعْرَاضٍ قَائِمَةٍ بِهَا. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى أَبْعَدُ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ هَؤُلَاءِ، يَتَأَوَّلُونَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِمَعْنَى التَّوَلُّدِ وَالتَّعْلِيلِ وَالْإِيجَابِ بِالذَّاتِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْفَلَكَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مَعْلُولٌ لِلرَّبِّ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ بِذَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. وَقَوْلُهُمْ بِالْإِيجَابِ هُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِالتَّوَلُّدِ، فَإِنَّ مَا حَصَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ فَقَدْ تَوَلَّدَ عَنْهُ، لَاسِيَّمَا إِنْ كَانَ حَيًّا. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِقِدَمِ عَيْنِ الْفَلَكِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. فَهَؤُلَاءِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ أَوْ عَلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ، كَانَ قَوْلًا مُتَوَجِّهًا، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَخْلُوقَةً، بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الصَّانِعَ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا، وَالْفِعْلُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُمْتَنِعًا بِغَيْرِ سَبَبِ حَدَثٍ أَوْجَبَ انْتِقَالَهُ مِنَ الِامْتِنَاعِ إِلَى الْإِمْكَانِ، وَأَوْجَبَ أَنْ يَصِيرَ الرَّبُّ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ أَوِ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ. فَهَذِهِ الدَّعْوَى وَأَمْثَالُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِالْعَقْلِ مَعَ فَسَادِهَا فِي الشَّرْعِ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهَا وَلَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا قَطُّ. وَلَكِنْ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّ هَذَا دِينُ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْكَلَامِ الَّذِي أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنَّ مَا لَا يَخْلُو مِنَ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ، وَكَانَ الَّذِي أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَيْهِمُ الْكَلَامَ الْبَاطِلَ الَّذِي خَالَفُوا فِيهِ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَذُكِرَ مَنْشَأُ غَلَطِ الطَّائِفَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ، وَذُكِرَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَإِنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّ وُجُودَ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ فِي الْمَاضِي، كَمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وُجُودُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ أَيْضًا، وَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ، بَلْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا بَاطِلٌ شَرْعًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْخَالِقَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَعْلُولِهَا بَاطِلٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَمُوجِبَةٌ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ ضَرُورَةُ وُجُودِ عِلَّةٍ تَامَّةٍ يُقَارِنُهَا حُدُوثُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، فَإِنَّ الْحَوَادِثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ يَمْتَنِعُ مُقَارَنَةُ مَعْلُولِهَا بِهَا، بَلْ قَدْ بُيِّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ يَكُونُ عِلَّةً تَامَّةً مُسْتَلْزِمَةً لِلْمَفْعُولِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُدُوثِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ وَبَيْنَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ أَنَّ الرَّبَّ فَاعِلٌ بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: هُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُوجِبُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مَا شَاءَهُ فَهَذَا لَا يُنَافِي فِعْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ مَا يَقُولُهُ دَهْرِيَّةُ الْفَلَاسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِ مِنْ أَنَّ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنِ الصِّفَاتِ أَوْجَبَتِ الْعَالَمَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُخْتَلِفَةِ الْحَادِثَةِ فَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ عَقْلًا وَسَمْعًا، فَإِنَّ إِثْبَاتَ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ أَوْ إِثْبَاتَ وُجُودٍ مُجَرَّدٍ عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ أَوْ مُقَيَّدٍ بِالسُّلُوبِ لَا يَخْتَصُّ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يُقَدِّرُهُ الذِّهْنُ كَمَا يُقَدِّرُ سَائِرَ الْمُمْتَنِعَاتِ. وَدَعْوَى أَنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ، وَأَنَّ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ هِيَ الْأُخْرَى كَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ: إِنَّ الْعَقْلَ وَالْعَاقِلَ وَالْمَعْقُولَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَاللَّذَّةُ وَاللَّذِيذُ وَالْمُلْتَذُّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالْقُدْرَةُ هِيَ الْقَادِرُ، وَالْعِلْمُ هُوَ الْعَالَمُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى فَسَادِهَا وَتَنَاقُضِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ دَعَاوٍ بَاطِلَةٌ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى مَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْإِجْمَاعِ لِنَوْعٍ مِنَ الِاشْتِبَاهِ، فَيَظُنُّ أُمُورًا دَاخِلَةً فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ، كَمَا يَظُنُّ أُمُورًا خَارِجَةً عَنْهُ وَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ، كَمَا يُصِيبُ بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُدْخِلُونَهُ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِيمَا يُخْرِجُونَهُ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ هَؤُلَاءِ أُمُورًا مُخْتَلِفَةً فِيهَا، وَإِذَا نُظِرَ إِلَى مُسْتَنَدِهِمْ فِي الْخِلَافِ وُجِدَ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ أُمُورٌ أُخْرَى كَذَلِكَ، إِمَّا نَقْلٌ ضَعِيفٌ، وَإِمَّا لَفْظٌ مُجْمَلٌ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي صِحَّتِهِ تَارَةً وَفِي فَهْمِهِ تَارَةً، كَمَا يَقَعُ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْغَلَطِ، وَيَكُونُ قَدْ نَشَأَ مِنَ الْإِسْنَادِ تَارَةً وَمِنْ فَهْمِ الْمَتْنِ تَارَةً. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية