الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
معنى «الرباعية» وضبط لفظها

وبيان الحكمة مما أصيب به النبي من الجراحة والشج في وجهه، قال القرطبي: «الرباعية» - بفتح الراء وتخفيف الياء-: هي كل سن بعد ثنية. قال النووي: وللأسنان أربع رباعيات. قال الحافظ: والمراد أنها: كسرت، فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها.

قال النووي: وفي هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء عليهم السلام -؛ لينالوا جزيل الأجر والثواب، ولتعرف أممهم ما أصابهم من أهل الشرك ويتأسوا بهم.

قال القاضي: وليعلم أنهم من البشر، تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسادهم ما يطرأ على أجسام البشر، ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم. انتهى. يعني: من الغلو القبيح والعبادة لهم.

قال ابن عطية: كان النبي صلى الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش، فقيل له بسبب ذلك: ليس لك من الأمر شيء ؛ أي: عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك، ودم على الدعاء لربك.

[ ص: 279 ] وقال ابن إسحاق: ليس لك من الأمر في عبادي شيء إلا أمرتك به فيهم.

فالحديث دل على نفي الاختيار والتصرف عن غير الله تعالى في العباد. وهذا في حق النبي، فما ظنك بغيره من أولياء الله تعالى، وأعدائه سبحانه ؟!.

وقد رويت في سبب نزول الآية روايات:

منها: في «البخاري» عن ابن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: «اللهم العن فلانا وفلانا» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله الآية»، ورواه النسائي أيضا.

وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ليس لك من الأمر شيء .

وفيه جواز الدعاء على المشركين بأعيانهم في الصلاة، وأن ذلك لا يضر الصلاة. وهؤلاء كانوا رؤوس المشركين يوم أحد.

فما استجيب له صلى الله عليه وسلم فيهم، بل تاب الله عليهم، فأسلموا، وحسن إسلامهم.

وفي هذا: أن الأمر كله بيد الله، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.

وهذه الحجج والبراهين مما يبين بطلان ما يعتقده عباد القبور وزوارها في الأولياء والصلحاء، بل في الطواغيت والجبت، من أنهم ينفعون من دعاهم، ويمنعون من لاذ بحماهم.

فسبحان من حال بينهم وبين فهم الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وذلك عدله سبحانه، كما أن التوحيد فضله على عباده المؤمنين، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، ولا حول ولا قوة إلا به.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أنزل الله عليه: وأنذر عشيرتك الأقربين ، فصعد الصفا، وقال: «يا معشر قريش! - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا».

أي: اشتروها بتوحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، [ ص: 280 ] وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه، فإن ذلك هو الذي ينجي من عذاب الله، لا الاعتماد على الأنساب والحساب، فإن ذلك غير نافع عند رب الأرباب، لا أستطيع أن أنفعكم بشيء.

وفي هذا حجة على من تعلق على الأنبياء والصلحاء، ورغب إليهم ليشفعوا له وينفعوه، أو يدفعوا عنه، فإن ذلك هو الشرك الذي حرمه الله، وأقام رسوله صلى الله عليه وسلم بالإنذار عنه ؛ كما أخبر عن المشركين أنهم قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، فأبطل ذلك، ونزه نفسه المقدسة عن هذا الشرك.

«يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد ! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا» رواه البخاري وهذا الحديث قد تقدم في الكتاب في بابه.

التالي السابق


الخدمات العلمية