الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن الأدلة الدالة على رد الإشراك في التصرف: ما أخرجه الترمذي، وأحمد عن ابن عباس -رضي الله عنه-، قال: كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما، فقال: «يا غلام، احفظ الله» أي: حقه «يحفظك» من مكاره الدنيا والآخرة «احفظ الله تجده تجاهك» أي: مقابلك، و «إذا سألت فاسأل الله» أي: فاسأله وحده؛ فإن خزائن العطايا عنده، ومفاتح المواهب والمزايا بيده، وكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية، تصل إلى العبد، أو تندفع عنه برحمته من غير شائبة غرض، وضميمة علة؛ لأنه الجواد المطلق، والغني الذي لا يفتقر.

فينبغي ألا يرجى إلا رحمته، ولا يخشى إلا نقمته، ويلتجأ في عظام الأمور إليه، ويعتمد في جميع الأمور عليه؛ أي: ولا يسأل غيره؛ لأن غيره غير قادر على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع؛ فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا.

وفي دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا راد لما قضيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».

«وإذا استعنت فاستعن بالله»، ويدل له قوله سبحانه: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5].

«واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».

هذا نص جلي على عدم اقتدار أحد على إيصال النفع إلى أحد، ودفع الضر عنه، وكم من آيات بينات في القرآن لها دلالة على هذا المرام، فاشدد يديك على هذه العقيدة، فإنه ليس بعد بيان الله وبيان رسوله صلى الله عليه وسلم - بيان.

ومن لم يستشف بالقرآن وبالحديث، فلا شفاه الله.

[ ص: 41 ] «رفعت الأقلام وجفت الصحف». وهذا كناية عن معنى القضاء، وثبوت القدر، وأنهما لا يتغيران ولا يتبدلان.

قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: إن الله سبحانه وإن كان ملك الملوك، وسلطان السلاطين وأحكم الحاكمين، وأقدر القادرين، لكنه ليس كغيره من الملوك متكبرا؛ لأن الملوك لا يلتفتون إلى آحاد الرعايا من غاية الغرور، ونهاية الكبر، وإن أطال ذلك الرعوي في الالتجاء، وأتى بكل خضوع. فتلتجئ الرعايا حينئذ إلى الأمراء والأركان، ويبتغون عندهم الوسائل ليقبل الملك عرضهم، ويسمع التجاءهم.

وأما الله سبحانه، فهو الرحيم الكريم، لا حاجة في حضرته إلى وكالة أحد، وسعي شخص. فمن ذكره، فالله يذكره، شفع له أحد أو لم يشفع، وكذلك وإن كان هو سبحانه عليا كبيرا، واحدا فردا، رفيع الدرجات، ذا العرش العظيم، فليس حضرته كحضرة السلاطين لا يصل إليه أحد من الرعايا، وإنما يحكم عليهم أمراء الملك، ووزراء الدولة، والرعايا منقادون لهم طوعا وكرها، ولا يجدون بدا من ذلك، ولا يمكن لهم الحضور إلا في حضرات الأمراء، بل الله سبحانه أقرب من عباده من كل قريب.

كل عبد ذليل له أدنى رتبة، إذا توجه بقلبه إلى جنابه العلي، يجده تجاهه، فالغفلة منا، وإلا فليس هناك حجاب ولا غطاء. والبعيد منه تعالى بعيد؛ لغفلته، وإلا فهو قريب من كل عبد يريده.

وعلى هذا كل من يدعو نبيا، أو وليا، على أنه يقربه من الله، فإنه على جهل من أن ذلك النبي أو الولي بعيد من هذا الداعي، والله تعالى قريب منه. ومثال هذا أن يكون أحد من الرعايا حاضرا عند السلطان، ويكون السلطان ملتفتا إلى سماع عرضه، فيدعو هذا الرعوي أحدا من الأمراء والوزراء، ويستدعي منه أن يبلغ الأمر الفلاني منه إلى السلطان. [ ص: 42 ] فهذا الداعي إما أعمى، وإما مجنون؛ لأنه خلا وحده بالسلطان، وتوجه السلطان إلى إصغاء حاجته، فلم يعرض عليه حاجته تلك، وطلبها بوسائط ووسائل من دون ضرورة داعية إليها، وأسخط السلطان عليه، ولم يعرف قدر توجهه إليه، فلا شك في كونه مبتلى، إما بالعمى، وإما بالجنون.

وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم -في هذا الحديث بسؤال كل مراد منه سبحانه، والاستعانة به تعالى في حل كل إشكال، ودفع كل داء عضال، على كل حال، وفي كل مجال. وأخبر أن قلم القدر والقضاء لا يبدل ولا يتغير. فإن اجتمع أهل العالم كلهم، كبيرهم وصغيرهم، وعزيزهم وذليلهم، وأميرهم وفقيرهم، وشريفهم ووضيعهم، وصالحهم وطالحهم، وبرهم وفاجرهم، وأرادوا أن ينفعوا أحدا، أو يضروه، لم يستطيعوه، ولا يتجاوزوا تقدير الله وقضيته.

فعلم من هذا الحديث أن ما يقوله عوام الناس؛ من أن الله تعالى أعطى الأولياء قدرة لو شاءوا لبدلوا التقدير، وغيروا القضاء، فيعطوا لمن ليس في تقديره ولد ولدا، أو يزيدوا في عمر من انقضى عمره، وأتى أجله. فهذا لا يصح، وليس من الإيمان بتوحيد الله تعالى وعدم الإشراك به سبحانه في صدر ولا ورد، وليس عليه أثارة من علم. بل الذي ينبغي التعويل عليه، والاستناد إليه: أن الله تعالى هو الذي قد يقبل دعاء عباده، ويقبل دعاء الأنبياء والأولياء كثيرا بالنسبة إلى آحاد الناس. ولكن التوفيق للدعاء بيده سبحانه، وقبوله أيضا في اختياره، كما قال الشاعر:


هم دعا ازتوا جابت هم زتو ايمني ازتو مخافت هم زتو

وبالجملة: فكل من عند الله.

[ ص: 43 ] فتوفيق الدعاء للداعي، وحصول المراد له به، هما من القضاء والقدر، ليس أمر يخرج منهما، ولا قدرة لأحد، ولا قوة له على أن يفعل شيئا، ويقضي بشيء، ويقدر شيئا، نبيا كان أو وليا، كبيرا كان أو صغيرا، لا يقدرون على شيء، غير أن يدعوا الله وحده لا شريك له، ويلتجئوا إليه، ويطلبوا منه المرادات؛ فإن شاء أعطى، وإن شاء منع، وإن شاء قبل دعاءهم، وإن شاء رده لحكمته. فالمرجع إليه، والتعويل في الأمور كلها عليه، وما أحسن ما قيل:


ازخدا خوهم واز غير نخواهم بخدا     كدنيم بنده ديكرنه خدائي دكرست

وإذا ثبت رفع الأقلام، وجفاف الصحف، وعدم المقدرة لأحد على النفع والضر، والعطاء والمنع، كما نطق بهذا حديث الباب، فالحياء الحياء من الشرك بالله تعالى في طلب المرادات، وقضاء الحاجات، واعتقاد التصرف في العالم، وأموره في حق الأحياء والأموات من الأنبياء والأولياء، والأعداء. فإن ذلك شرك محض، وكفر بحت، يهوي به صاحبه في النار، ويسوقه هذا الاعتقاد إلى الدركات السفلى من الجحيم أعاذنا الله تعالى منه.

أخرج ابن ماجه عن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قلب ابن آدم بكل واد شعبة» أي: لقلبه قطعة.

قال في "النهاية": الشعبة: الطائفة من كل شيء.

والمعنى: أن القلب واحد، وأودية الهموم متعددة، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

قال الطيبي: لا بد فيه من تقدير؛ أي: في كل واد له شعبة، «فمن أتبع قلبه الشعب كلها»؛ أي: من جعل قلبه تابعا لشعب الهموم «لم يبال الله بأي واد هلك، ومن توكل على الله كفاه الشعب»؛ أي: كفاه مؤن حاجاته المتشعبة المختلفة.

[ ص: 44 ] قال بعض أهل العلم -رضي الله عنه -: يعني: إذا كان في قلب الآدمي طلب شيء، أو يعتريه أمر مشكل، فإنه يذهب خياله إلى كل جهة، ويريد أن يدعو نبيا أو وليا، أو إماما، ويستعين بشيخ أو شهيد، أو ينذر لفلان وفلان، أو يسأل عن منجم، أو رمال، أو يتفاءل من كتاب وصحيفة. فمن أتبع قلبه الشعب، واقتفى أثر كل خيال وظن، فالله تعالى لا ينظر إليه نظر القبول، ولا يعده في عباده الصادقين الفحول. وقد ضل هو عن سبيل هدايته سبحانه، وطريق تربيته، وتاه عقب خيالاته في وادي ضلالته، حتى يهلك. فمنهم من يصير دهريا، ومنهم من يصير ملحدا أو مرتدا، ومنهم من يصير مشركا، ومنهم من ينكر الكل. وأما من توكل على الله -عز وجل- ولم يتبع قلبه الأودية والشعاب، ولم يقتف الخيال، فإن الله تعالى يجعله من المقبولين المرحومين، ويفتح عليه أبواب سبل الهداية واليقين، ويعطي قلبه من السكينة والطمأنينة ما لا يتيسر لمن يتبع الخيالات والظنون والأوهام، وكل ميسر لما خلق له وقدر وقضي.

وصاحب الخيالات لا يزال في عناء ومشقة بلا فائدة. والمتوكل على الله يجد مراده في راحة وسكينة، من دون جهد وعناء.

التالي السابق


الخدمات العلمية