الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
بيان معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن من البيان لسحرا»

قال: ولهما عن ابن عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن من البيان لسحرا». والمراد بـ«البيان»: البلاغة والفصاحة. قال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله؛ فإن الرجل يكون عليه الحق وهو [ ص: 316 ] ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق.

وقال «ابن عبد البر»: تأوله طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم.

وذهب أكثر أهل العلم، وجماعة من أهل الأدب إلى أن هذا على طريقة المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان.

وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله: هذا والله السحر الحلال، انتهى. والأول أصح.

والمراد بالبيان: الذي فيه تمويه على السامع، كما قال الشاعر:


في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» من وادي التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل، والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال، حتى يقبل الباطل، وينكر الحق، نسأل الله الثبات والاستقامة على الهدى.

وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره، ويبطل الباطل ويبينه، فهذا هو الممدوح.

وهكذا حال الرسل وأتباعهم؛ ولهذا علت مراتبهم في الفصائل، وعظمت حسناتهم.

وبالجملة: فالبيان لا يحمد إلا إذا يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب وتغطية الحق وتحسين الباطل.

فإذا خرج إلى هذا فهو مذموم، وعلى هذا تدل الأحاديث؛ كحديث الباب، وحديث: «إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه، كما تخلل البقرة بلسانها» رواه أحمد وأبو داود.

والحاصل: أن كل فصاحة وبلاغة تكون مقررة للحق، فهو السحر الحلال النافع، وكل كلام مزخرف يقرر الباطل والجزاف، فهو السحر المحرم الضار.

ومن الأول كتب أئمة المحدثين، وأهل الأدب من العلماء الموحدين [ ص: 317 ] كتصانيف الشيخين العظيمين: ابن تيمية، وابن القيم، والحافظين الكريمين: ابن حجر، وابن عبد البر، وأمثال هؤلاء من المتأخرين.

ومن الثاني: تأليفات أهل البدعة؛ كالمعتزلة، والشيعة، ونحوهم ممن زخرفوا القول غرورا.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

التالي السابق


الخدمات العلمية