الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          باب الهمزة والفاء وما بعدهما في الثلاثي

                                                          ( أفق ) الهمزة والفاء والقاف أصل واحد ، يدل على تباعد ما بين أطراف الشيء واتساعه ، وعلى بلوغ النهاية . ومن ذلك الآفاق : النواحي والأطراف ، وآفاق البيت من بيوت الأعراب : نواحيه دون سمكه . وأنشد يصف الخلال :


                                                          وأقصم سيار مع الناس لم يدع تراوح آفاق السماء له صدرا

                                                          ولذلك يقال : أفق الرجل : إذا ذهب في الأرض . وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري قراءة عليه ، قال : حدثني أبو عبد الله الحسين بن مسبح قال : سمعت أبا حنيفة يقول : للسماء آفاق وللأرض آفاق ، [ ص: 115 ] فأما آفاق السماء فما انتهى إليه البصر منها مع وجه الأرض من جميع نواحيها ، وهو الحد بين ما بطن من الفلك وبين ما ظهر من الأرض ، قال الراجز :


                                                          قبل دنو الأفق من جوزائه

                                                          يريد : قبل طلوع الجوزاء; لأن الطلوع والغروب هما على الأفق . وقال يصف الشمس :


                                                          فهي على الأفق كعين الأحول

                                                          وقال آخر :


                                                          حتى إذا منظر الغربي حار دما     من حمرة الشمس لما اغتالها الأفق

                                                          واغتياله إياها تغييبه لها . قال : وأما آفاق الأرض فأطرافها من حيث أحاطت بك . قال الراجز :


                                                          تكفيك من بعض ازديار الآفاق     سمراء مما درس ابن مخراق

                                                          ويقال للرجل إذا كان من أفق من الآفاق أفقي وأفقي ، وكذلك الكوكب إذا كان قريبا مجراه من الأفق لا يكبد السماء ، فهو أفقي وأفقي . [ ص: 116 ] إلى هاهنا كلام أبي حنيفة . ويقال : الرجل الآفق الذي بلغ النهاية في الكرم . وامرأة آفقة . قال الأعشى :


                                                          آفقا يجبى إليه خرجه     كل ما بين عمان فملح

                                                          أبو عمرو : الآفق : مثل الفائق ، يقال : أفق يأفق أفقا : إذا غلب ، والأفق الغلبة . ويقال : فرس أفق على فعل ، أي : رائعة . فأما قول الأعشى :


                                                          ولا الملك النعمان يوم لقيته      [ بغبطته ] يعطي القطوط ويأفق

                                                          فقال الخليل : معناه أنه يأخذ من الآفاق . قال : واحد الآفاق أفق ، وهي الناحية من نواحي الأرض . قال ابن السكيت : رجل أفقي من أهل الآفاق ، جاء على غير قياس . وقد قيل أفقي . قال ابن الأعرابي : أفق الطريق منهاجه ، يقال : قعدت على أفق الطريق ونهجه . ومن هذا الباب قول ابن الأعرابي : الأفقة الخاصرة ، والجماعة الأفق . قال :


                                                          يشقى به صفح الفريص والأفق

                                                          ويقال : شربت حتى ملأت أفقتي . وقال أبو عمرو وغيره : دلو أفيق : إذا كانت فاضلة على الدلاء . قال :


                                                          ليست بدلو بل هي الأفيق

                                                          [ ص: 117 ] ولذلك سمي الجلد بعد الدبغ الأفيق ، وجمعه أفق ، ويجوز أفق . فهذا ما في اللغة واشتقاقها . وأما يوم الأفاقة فمن أيام العرب ، وهو يوم العظالى ، ويوم أعشاش ، ويوم مليحة - وأفاقة موضع - وكان من حديثه أن بسطام بن قيس أقبل في ثلاثمائة فارس يتوكف انحدار بني يربوع في الحزن ، فأول من طلع منهم بنو زبيد حتى حلوا الحديقة بالأفاقة ، وأقبل بسطام يرتبئ ، فرأى السواد بحديقة الأفاقة ، ورأى منهم غلاما فقال له : من هؤلاء ؟ فقال : بنو زبيد . قال : فأين بنو عبيد وبنو أزنم ؟ قال : بروضة الثمد . قال بسطام لقومه : أطيعوني واقبضوا على هذا الحي الحريد من زبيد ، فإن السلامة إحدى الغنيمتين . قالوا : انتفخ سحرك ، بل نتلقط بني زبيد ثم نتلقط سائرهم كما تتلقط الكمأة . قال : إني أخشى أن يتلقاكم غدا طعن ينسيكم الغنيمة ! وأحست فرس لأسيد بن حناءة بالخيل فبحثت بيدها ، فركب أسيد وتوجه نحو بني يربوع ، ونادى : يا صباحاه ، يا آل يربوع ! فلم يرتفع الضحاء حتى تلاحقوا بالغبيط ، وجاء الأحيمر بن عبد الله فرمى بسطاما بفرسه الشقراء - ويزعمون أن الأحيمر لم يطعن برمح قط إلا انكسر ، فكان يقال له " مكسر الرماح " - فلما أهوى ليطعن بسطاما انهزم بسطام ومن معه بعد قتل من قتل منهم ، ففي ذلك يقول شاعر :

                                                          [ ص: 118 ]

                                                          فإن يك في جيش الغبيط ملامة     فجيش العظالى كان أخزى وألوما
                                                          وفر أبو الصهباء إذ حمس الوغى     وألقى بأبدان السلاح وسلما
                                                          فلو أنها عصفورة لحسبتها     مسومة تدعو عبيدا وأزنما

                                                          وهذا اليوم هو يوم الإياد ، الذي يقول فيه جرير :


                                                          وما شهدت يوم الإياد مجاشع     وذا نجب يوم الأسنة ترعف

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية