الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو قال لها : يا زان كان قذفا وهذا ترخيم ، كما يقال لمالك : يا مال ، ولحارث : يا حار " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح إذا قذف الرجل المرأة فقال لها : يا زان كان قذفا ، وعلل له الشافعي بأنه ترخيم حذف به الياء والهاء ، وكما يقال لمالك : يا مال ، ولحارث : يا حار ، كما حكاه عنه المزني في هذا المختصر وفي جامعه الكبير .

                                                                                                                                            وحكى عنه حرملة : أنه لو قال لها : يا زاني كان قذفا ، بحذف الهاء وحدها وإثبات الياء .

                                                                                                                                            وجملته : أنه لو قال لها : يا زان ، أو يا زاني ، أو يا زانية ، كانت هذه الألفاظ الثلاثة سواء في القذف وفي وجوب الحد ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك ، ومن يعتد بمذهبه من الفقهاء .

                                                                                                                                            وقال محمد بن داود : إذا قال لها : يا زان لم يكن قذفا لها ، ولا يصح أن يكون ترخيما ، فاعترض على الشافعي في الحكم والتعليل معا ، واحتج لإبطال الحكم بالقذف ، بأنه لا يجوز في موضع اللغة أن يتوجه اللفظ المذكر إلى الإناث كما لا يتوجه اللفظ المؤنث إلى الذكور ليتميز باللفظ من الفريقين ، حتى يزول الاشتباه كما قال تعالى : حرض المؤمنين على القتال [ الأنعام : 65 ] . فخرج منه المؤمنات ، والشافعي جعل هاهنا لفظ المذكر مصروفا إلى الأنثى وهذا فاسد .

                                                                                                                                            واحتج على إبطال ما علل به الشافعي في الترخيم بثلاثة أشياء :

                                                                                                                                            أحدها : أن الترخيم إنما يستعمل في أسماء الأعلام ؛ مثل مالك ، وحارث ، ولا يستعمل في الأفعال ولا فيما يشتق منها ؛ مثل : زنى ، ودخل ، وخرج ، فلا يقع فيها ترخيم ، ولا يقال لداخل : يا داخ ، ولا لخارج : يا خار ، كذلك في الزنى .

                                                                                                                                            والثاني : أن الترخيم إسقاط حرف واحد كما حذفوا في ترخيم مالك ، وحارث ، حرفا واحدا ، والشافعي أسقط في ترخيم الزانية حرفين : الياء ، والهاء .

                                                                                                                                            والثالث : أن الهاء إذا تطرفت الكلمة لم تحذف إلا أن توصل بما بعدها كما قال امرؤ القيس :


                                                                                                                                            أفاطم مهلا بعض هذا التدلل . . . . . . . . . . . . . .



                                                                                                                                            [ ص: 105 ] والشافعي قد حذفها في ترخيم زانية من غير صلة .

                                                                                                                                            وهذا الاعتراض من ابن داود في الحكم المتفق عليه والترخيم المعلل به من أوضح خطأ وأقبح ذلل ، أما الدليل على الحكم في أن يكون قذفا إذا قال لها : يا زان مع ما علل به الشافعي من الترخيم فمن ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أن القذف بالزنى هو دخول المعرة بالفاحشة ، وقد أدخل المعرة عليها بالزنى في قوله لها : يا زان كما أدخلها في قوله : يا زانية ، فوجب أن يستويا في حكم القذف كما استوى فيه حكم اللفظ العربي والأعجمي .

                                                                                                                                            والثاني : أن ما فهم منه معنى القذف كان قذفا صوابا كان أو خطأ ، كما لو قال لرجل : زنيت بكسر التاء ، ولامرأة : زنيت بفتح التاء ، كان قذفا وإن لحن فيه ، لأن القذف مفهوم منه ، كذلك في قوله لها : يا زان ، وإن كان لحنا عنده .

                                                                                                                                            والثالث : أن هاء التأنيث مستعملة في توجيه الخطاب إلى مؤنث ليزول بها الإشكال ، والإشارة بالنداء أبلغ منها في إرادة المخاطب ، فإذا أشار إليها في النداء بقوله : يا زان أغنت الإشارة إليها عن الهاء الموضوعة لتوجيه الخطاب إليها فلم يؤثر حذفها مع وجود الإشارة وإن أثر حذفها مع عدم الإشارة .

                                                                                                                                            وفي هذا انفصال عما احتج به .

                                                                                                                                            وأما الدليل على صحة التعليل بالترخيم ، فإن الترخيم مستعمل في اللغة والشرع معا ، قرأ ابن مسعود : ونادوا يامالك ليقض علينا ربك [ الزخرف : 77 ] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كفى بالسيف شا ، يعني شاهدا . واختلف أهل العربية في حد الترخيم فقال بعضهم : يدخل في الاسم المفرد إذا زاد على ثلاثة أحرف .

                                                                                                                                            وقال ثعلب : يدخل في الأسماء والأفعال إذا كان الباقي مفهوم المراد ؛ لأنه لا يدخل في أسماء الأعلام كلها إذا لم يعلم باقيها ، مثل : طالوت وجالوت ، ولا يمنع في أسماء الأفعال كلها إذا فهم باقيها مثل : مالك ، مشتق من ملك ، وحارث من حرث ، وصاحب من صحب .

                                                                                                                                            فبطل بذلك ما قاله ابن داود من اختصاصه بالأسماء دون الأفعال ، وليس لها لما استشهد به من امتناعه في بعض الأفعال تأثير ، لأن باقيها غير مفهوم .

                                                                                                                                            أما قوله : إنه لا يحذف بالترخيم إلا حرف واحد فهو جهل منه بالعربية ؛ لأنه قد يحذف بالترخيم حرفان وأكثر ما بعد الحرف الثالث من الاسم معتلا . والحروف المعتلة : الألف والياء والواو ، فيقول في عثمان : يا عثم ، وفي منصور : يا منص ، وفي مروان : يا مرو ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى بالسيف شا ، يعني شاهدا ، فحذف ثلاثة أحرف ، ونادى أبا هريرة فقال : " يا أبا هر ، فحذف من كنيته ثلاثة أحرف ، أما قوله : إن [ ص: 106 ] الهاء إذا تطرفت الكلمة لم تحذف في الترخيم إلا أن تكون موصولة بما بعدها ، فخطأ ، لأن ما فهم المراد به جاز الاقتصار عليه في الترخيم وغيره ، وإن تطرفت الهاء .

                                                                                                                                            قال الشاعر .


                                                                                                                                            قفي قبل التفرق يا ضباعا      . . . . . . . . . . . . . .



                                                                                                                                            يعني ضباعة . وقوله لها : يا زان ، كلمة مفهومة المراد ، فجاز الاقتصار عليها في تعلق الحكم بها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية