الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وقال أيضا - يعني أبا حنيفة - : لو نفاه بلعان ومات الولد فادعاه الأب ضرب الحد ولم يثبت النسب ، فإن كان الابن المنفي ترك ولدا حد أبوه وثبت نسبه منه وورثه ( قال الشافعي ) - رحمه الله - : ولا فرق بينه ترك ولدا أو لم يتركه ؛ لأن هذا الولد المنفي إذا مات منفي النسب ثم أقر به لم يعد إلى النسب ؛ لأنه فارق الحياة بحال فلا ينتقل عنها ، وكذلك ابن النفي في معنى المنفي ، وهو لا يكون ابنا بنفسه ، فكيف يكون ابنه بالولد المنفي الذي قد انقطع نسب الحي منه ، والذي ينقطع به نسب الحي ينقطع به نسب الميت ؛ لأن حكمهما واحد ( قال الشافعي ) - رحمه الله - : ولو قتل وقسمت ديته ثم أقر به لحقه وأخذ حصته من ديته ومن ماله ؛ لأن أصل أمره أن نسبه ثابت ، وإنما هو منفي ما كان أبوه ملاعنا مقيما على نفيه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وصورتها فيمن نفى ولده باللعان ثم مات الولد فاعترف به واستلحقه بعد موته ، فقد اختلف الفقهاء - هل يلحق به أم لا ؟ على ثلاثة مذاهب :

                                                                                                                                            أحدها : وهو مذهب الشافعي - أنه يلحق به إذا استلحقه بعد موته سواء ترك ولدا أو لم يترك ، غنيا مات أو فقيرا .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : إن ترك المنفي ولدا ألحق به ، وإن لم يترك ولدا لم يلحق به .

                                                                                                                                            وقال مالك : إن مات غنيا ذا مال لحق به ، وإن مات فقيرا لم يلحق به ، واستدل أبو حنيفة بأنه لا يلحقه إذا لم يترك ولدا بثلاثة أمور :

                                                                                                                                            أحدها : بأنه قد انقطعت بالموت أسبابه فصار قطعا لاستلحاقه ، وهو باقي الأسباب بالولد فبقي حكم استلحاقه .

                                                                                                                                            والثاني : أنه بعدم الولد متهم بالاستلحاق في إجازة الميراث فرد إقراره بالتهمة ومع وجود الولد غير [ متهم ] فلزم إقراره .

                                                                                                                                            والثالث : أنه في استلحاق النسب حقان : أحدهما له والآخر عليه ، فاقتضى أن يتصل بحي يثبت له من حق الاستلحاق مثل ما يثبت عليه .

                                                                                                                                            واستدل مالك بأن موت الغني باقي العلق ، فكان لاستلحاقه تأثير فثبت ، وموت الفقير منقطع العلق ، فلم يبق لاستلحاقه تأثير فلم يثبت .

                                                                                                                                            [ ص: 98 ] ودليلنا : أنه مأمور باستلحاق نسبه في حق الله تعالى وحق الولد ، فاقتضى أن يكون مقبول الاعتراف في الحياة وبعد الموت ، لأن لا يكون على الجحود مصرا وللوعيد مستحقا ، وقد يتحرر من معنى هذا الاستدلال قياسان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه استلحاق يثبت به نسب الحي ، فوجب أن يثبت به نسب الميت ؛ كالذي ترك ولدا مع أبي حنيفة وكالغني مع مالك .

                                                                                                                                            والثاني : أنه استلحاق يثبت به نسب ذي الولد فوجب أن يثبت نسب الأب من نسب غير ذي الولد الحي ، ولأن نسب الولد مأخوذ من نسب الأب فلا يؤخذ من نسب الولد ، لأن الفروع ترد إلى أصولها ، ولا ترد الأصول إلى فروعها ، وأبو حنيفة عكس فيهما أصول الشرع فجعل نسب الأب مأخوذا من نسب الولد ، ولم يجعل نسب الولد مأخوذا من نسب الأب ، وما انعكست به أصول الشرع كان مدفوعا ، وبمثله يندفع قول مالك في اعتبار المال ، ولأن المنع من استلحاقه بعد الموت لا يخلو أن يكون لأجل الموت ، أو لأجل التهمة ، فبطل أن يكون لأجل الموت لجواز استلحاقه مع الولد والموت موجود ، وبطل أن يكون لأجل التهمة في الميراث ؛ لأنه لو مات فقيرا لم يلحق به وإن كان غير متهوم وترك ولدا لا يرث لرق أو كفر ألحقوه به وإن كان متهوما ، وإذا بطل تعليق المنع بواحد من هذين ثبت تساوي حكمه في الحياة وبعد الموت . فأما الجواب عن استدلالهم بقطع الأسباب مع عدم الولد وبقائها مع وجوده فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الأسباب باقية مع عدم الولد كبقائها مع وجوده ؛ لأنه قد تعلق بالأسباب من الحقوق لها وعليها من تحريم المصاهرة وغيره ما لا ينقطع بالموت .

                                                                                                                                            والثاني : أنه وإن انقطع بها الحقوق المستقبلة لم تقطع بها الحقوق الماضية ، وإن انقطع بها حق الآدمي لم ينقطع بها حق الله تعالى .

                                                                                                                                            وأما استدلالهم بالتهمة فقد أبطلنا أن تكون عليه ، وأما الاستدلال بأن وجود الولد يجمع حقي النسب ويعدمان بفقده ، فالجواب عنه من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه قد يتعلق بالنسب أحكام سوى أحكام الولد فلم تسقط بعدم الولد .

                                                                                                                                            والثاني : أن حكم النسب مع وجود الولد أغلظ ومع عدمه أخف . فلما ثبت النسب في أغلظ حاليه كان ثبوته في أخفهما أولى .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية