الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رضي الله عنه - : " ويلاعن الأخرس إذا كان يعقل الإشارة ، وقال بعض الناس : لا يلاعن ، وإن طلق وباع بإيماء أو بكتاب يفهم جاز . قال : وأصمتت أمامة بنت أبي العاص فقيل لها : لفلان كذا ولفلان كذا فأشارت أن نعم ، فرفع ذلك فرأيت أنها وصية " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : الخرس على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون من أصل الخلقة .

                                                                                                                                            والثاني : أن يكون لعلة ، فإن كان من أصل الخلقة موجودا مع الولادة ، فهذا مستقر لا يرجى زواله ، فيكون هذا الأخرس في الأحكام المتعلقة بأقواله معتبرا بها حال الإشارة ، فإن كان غير مفهوم الإشارة ، ولا مقروء الكتابة لم يصح منه عقد ولا قذف ولا لعان ، وإن كان مفهوم الإشارة ، مقروء الكتابة صحت عقوده اتفاقا .

                                                                                                                                            واختلف في صحة قذفه ولعانه ، فذهب الشافعي إلى صحة قذفه بالإشارة ولعانه بها .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يصح منه قذف ولا لعان ، واستدل على بطلان قذفه بأن الإشارة كناية . والقذف لا يثبت بالكنايات ، واستدل على أن لعانه لا يصح بأن اللعان عنده شهادة ، والشهادة لا تصح من الأخرس .

                                                                                                                                            [ ص: 24 ] وتحريره قياسا : أن تورع بأن قال ما افتقر إلى لفظ الشهادة لم يصح من الأخرس كالشهادة .

                                                                                                                                            ودليلنا : هو أن من صح طلاقه وظهاره صح قذفه ولعانه كالناطق ، ولأن ما اختص به من الحقوق تقوم إشارته فيه مقام نطقه كالعقود ، ولأنه لما صح منه النكاح مع تأكيده بالولي والشاهدين ، فأولى أن يصح منه ما هو أخف من القذف واللعان ، ولأنه لما صح منه الطلاق مع جواز نيابة وكيله فيه فأولى أن يصح منه ما لا تجوز النيابة فيه من قذف ولعان ، ولأن الخرس أن لا تمنع من اليمين فوجب أن لا تمنع من اللعان كالطرش .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن استدلالهم بأن الإشارة بالقذف كناية ولا يثبت بها ، فهو أنها كناية من الناطق ، وصريح من الأخرس ، كما يصح النكاح بإشارته وإن لم يصح بالكناية .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن استدلالهم بالشهادة . فاللعان عندنا يمين ، ويمين الأخرس تصح بالإشارة ، والشهادة فقد جوزها أبو العباس بن سريج بإشارته ، فيكون الأصل على قوله غير مسلم ، والذي عليه جمهور أصحابنا : أنه لا تصح شهادته وإن صح قذفه ولعانه لوقوع الفرق بينهما من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن غيره يقوم مقامه في الشهادة ، ولا يقوم مقامه في القذف .

                                                                                                                                            والثاني : أن القذف واللعان يختصان به ، فدعت الضرورة إلى إمضائه بإشارته ، كالنكاح والطلاق ، والشهادة لا تختص به فلم تدع الضرورة إلى إمضائها بإشارته ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية