الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وإن كان معها ولد فنفاه أو بها حمل فانتفى منه قال مع كل شهادة : أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ، وإن هذا الولد ولد زنا ما هو مني " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : قد ذكرنا أن نسب الولد لا ينتفي عنه بلعانه من الزوجة إلا أن ينفيه في لعانه في الشهادات الأربع ، وفي اللعنة الخامسة ، فإن أخل بذكره في أحد الخمسة لم ينتف عنه ، وصفة نفيه في لعانه أن يقول في كل مرة : وأن هذا الولد من زنا ما هو مني ، فيجمع في نفيه بين شرطين أحدهما : إضافته إلى الزنا وأنه ليس منه ، فإن اقتصر على أحد الشرطين اعتبر حال الشرط الذي اقتصر عليه ، فإن كان الثاني ، وهو أن قال : وإن هذا الولد ليس مني ، ولم يقل : إنه ولد من زنا ، لم ينتف عنه ، لما فيه من الاحتمال ؛ لأنه قد يريد بذلك أنه ليس يشبهني في خلقي أو خلقي أو فعلي ؛ ولذلك لم يجعل قوله لابنه : لست بابني قذفا لأمه لما فيه من هذا الاحتمال ، وإن اقتصر على الشرط الأول وهو أن قال : وأن هذا الولد لولد من زنا ، ولم يقل : ما هو مني ، ففي انتفائه عنه بذلك وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي حامد المروزي : قد انتفى عنه ، لأن ولد الزنا لا يلحق [ ص: 64 ] به ، فكان قوله : ما هو مني تأكيدا ، ألا ترى أنه لو قال لولده : أنت ولد زنا ، كان قاذفا لأمه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وبه قال أبو حامد الإسفراييني : لا ينتفي عنه بذلك حتى يقول : ما هو مني ؛ لأن الأيمان موضوعة على نفي الاحتمال ، وقد يحتمل أن يعتقد أنه من زنا ويكون منه ، بأن يكون قد زنى قبل تزوجه بها وجاءت بولد لستة أشهر من وقت عقده فيكون لاحقا به ؛ ولأن من أصحابنا وهو أبو بكر الصيرفي يرى أن النكاح بغير ولي زنا وإن كان الولد فيه لاحقا ، ولا يؤمن من الملاعن اعتقاد مذهبه ، فلذلك وجب لإزالة الاحتمال أن يضيف إلى قوله أنه ولد زنا : ما هو مني وإن لم يذكر الولد حتى استكمل لعانه ولعان الزوجة قيل : قد وقعت الفرقة ولم ينتف الولد ، فإن أحب أن ينفيه استأنف لوقته لعانا خاصا لنفي الولد كاملا بالشهادات واللعنة الخامسة . ولم تلاعن معه الزوجة ؛ لأنه لا مدخل للعانها في نفي الولد ولا في إثباته ، وإنما يختص بإسقاط الزنا عنها وقد سقط بما تقدم من لعانها ، وهذا منصوص الشافعي في هذا الموضع وفي كتاب " الأم " وقال في " الإملاء " : تعيد الزوجة لعانها بعد إعادة الزوج ، وليس هذا القول منه على الوجوب ، وإنما هو على الاختيار حتى لا ينفرد الزوج . بلعان لا تساويه فيه الزوجة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية