الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : وإن جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق عليها " فجاءت به على النعت المكروه ، فقال عليه السلام : " إن أمره لبين لولا ما حكم الله " فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يستعمل دلالة صدقه عليها وحكم بالظاهر بينه وبينها فمن بعده من الولاة ذكره أنه لما نزلت آية المتلاعنين قال - صلى الله عليه وسلم - : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين " .

                                                                                                                                            [ ص: 56 ] قال الماوردي : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثان :

                                                                                                                                            أحدهما : في لعان العجلاني .

                                                                                                                                            والثاني : في لعان هلال بن أمية ، نحن نذكرهما وتفسيرهما ومراد الشافعي بالاستدلال بهما ، وأما المروي في لعان العجلاني ، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التعانهما : " أبصروها ، فإن جاءت به أسحم ، أدعج ، عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق ، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا " ، قال : فجاءت به على النعت المكروه . الأسحم : الأسود ، والأدعج : شديد سواد الحدقة ، والأحيمر : تصغير أحمر ، والوحرة : قال الشافعي : دويبة كالوزعة ، وقال غيره : هي القطاة ، أما المروي في لعان هلال بن أمية ، فقوله - صلى الله عليه وسلم - بعد التعانهما : إن أتت به أصيهب ، أثيبج ، أحمش الساقين ، فهو لهلال بن أمية . . وإن جاءت به أورق ، جعدا ، جماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الإليتين فهو لشريك بن سحماء ، فجاءت به أورق ، جعدا ، جماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الإليتين ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب .

                                                                                                                                            قوله : أصيهب : تصغير أصهب وهو الأشقر .

                                                                                                                                            وأثيبج : هو الذي له ثبجة ، وهي لحمة ناتئة بين الكتفين ، والكاهل ، وفوق الظهر .

                                                                                                                                            وأحمش الساقين : دقيقهما .

                                                                                                                                            والأورق : الأسمر يقال في البهائم : أورق ، وفي الآدميين : أسمر .

                                                                                                                                            والجعد : يعني جعد شعر الرأس ، والجمالي من الناس : من رواه بفتح الجيم ذهب إلى أنه من الجمال ، ورواه أبو عبيدة بضم الجيم وهو العظيم الخلق ، مشتقا من الجمل .

                                                                                                                                            وسابغ الإليتين : تامهما .

                                                                                                                                            وخدلج الساقين : عظيمهما . فهذا تفسير الحديثين ، والمقصود في المستفاد منهما ثلاثة أحكام :

                                                                                                                                            أحدهما : حكم الحاكم في الظاهر لا يغير الأمر عما هو عليه في الباطن بخلاف ما قاله أبو حنيفة : إن الحكم بالظاهر يحيل الأمر عما هو عليه في الباطن ، ودليل الخبر يدفع قوله لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل حكم الشبه يقتضي لحوقه بأشبههما به ثم لم يلحقه بواحد منهما مع وجود الشبه ، لأن الحكم في الظاهر مانع من لحوقه .

                                                                                                                                            والحكم الثاني المستفاد من الحديثين : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للشبه تأثيرا في لحوق [ ص: 57 ] الأنساب ، يوجب الحكم بالقيافة عند إشكالها ؛ لأنه جعله من هلال بن أمية إن كان على شبهه ، ومن شريك بن السحماء إن كان على شبهه .

                                                                                                                                            فإن قيل : فكيف يكون دليلا وما ألحقه بواحد منهما مع وجود الشبه ؟ .

                                                                                                                                            قيل : لأن نفيه باللعان نعر ، وإلحاقه بالشبهة استدلال ، والاستدلال لا يستعمل مع وجود النص ، ويستعمل إذا انفرد .

                                                                                                                                            والحكم الثالث المستفاد منها : أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني مع وجود الشبه ؛ لأنه قد أشبه الولد شريكا ، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه منه بالشبه ولم يلحقه به في الحكم - والله أعلم بالصواب - .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية