الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو قذف أربع نسوة له بكلمة واحدة لاعن كل واحدة ، وإن تشاححن أيتهن تبدأ أقرع بينهن وأيتهن بدأ الإمام بها رجوت أن لا يأثم ؛ لأنه لا يمكنه إلا واحدا واحدا ( قال المزني ) - رحمه الله - قال في الحدود : ولو قذف جماعة كان لكل واحد حد ، فكذلك لو لم يلتعن كان لكل امرأة حد في قياس قوله " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : اعلم أن قذف الواحد لجماعة ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يفرد قذفهم .

                                                                                                                                            والثاني : أن يشرك بينهم ، فإن أفرد قذفهم وقذف كل واحد منهم بكلمة مفردة فقال : قد زنيت يا زيد وزنيت يا عمرو ، وزنيت يا بكر ، فلا يختلف مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء أن عليه لكل واحد منهم حدا .

                                                                                                                                            وقال مالك : يحد لجميعهم حدا واحدا ؛ لأن الزنا أغلظ من القذف فلما تداخلت حدود الزنا فأولى أن تتداخل حدود القذف ، وهذا فاسد ؛ لأن حد القذف من حقوق الآدميين ، وحقوق الآدميين إذا اجتمعت لم تتداخل كالقصاص والديون لما في [ ص: 120 ] تداخلها من إسقاط حق بعضهم ببعض ، وخالفت حد الزنا وقطع السرقة ؛ لأنها من حقوق الله تعالى وحده ، فجاز أن يتداخل بعضها في بعض إذا تجانسا ، لأن تداخلها غير مسقط لحقه من جميعها .

                                                                                                                                            وأما إن شرك بينهم في القذف بكلمة واحدة ، فقال لجماعتهم : زنيتم ، أو قال لهم : يا زناة ، ففيه قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قوله في القديم وبه قال أبو حنيفة : لهم حد واحد لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : لأن كلمة القذف واحدة فوجب أن يكون الحد عليها واحدا .

                                                                                                                                            والثاني : لأن المعرة بها قد ارتفعت بتكذيبه عليها بالحد فوجب أن يرتفع حكم جميعها .

                                                                                                                                            والقول الثاني : وهو قوله في الجديد أن عليه لكل واحد منهما حدا كاملا لثلاثة معان :

                                                                                                                                            أحدها : أن كل واحد منهم مقذوف ، فوجب أن يحد لقذفه كما لو أفرده .

                                                                                                                                            والثاني : لأن الحقوق إذا لم تتداخل إذا انفردت لم تتداخل إذا اجتمعت ، كالقصاص والديون ، وإذا تداخلت إذا اجتمعت تداخلت إذا انفردت كالزنا والسرقة .

                                                                                                                                            والثالث : أنه كما كان - لو أقام البينة عليهم بالزنا حد لكل واحد منهم حدا وجب إذ عدمها أن يحد لكل واحد منهم ؛ لأن حد القذف في جهته في مقابلة حد الزنا في جهتهم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية