الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت الفرق فيها بين المقل والمكثر فالذي يتحمله الغني المكثر منها نصف دينار والذي يتحمله المقل المتوسط ربع دينار .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : الذي يتحمله كل واحد من الغني والمتوسط من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم ، لا يزاد عليها ولا ينقص منها .

                                                                                                                                            وقال أحمد بن حنبل : يتحملون ما يطيقون بحسب كثرة أموالهم وقلتها من غير أن تتقدر بشرع ، واستدل أبو حنيفة بأن فرض الزكاة أوكد من تحمل العقل ، وأقل ما يجب في زكاة المال خمسة دراهم من مائتي درهم ، فوجب أن يكون ما يلزم في العقل أقل منها فكان أربعة دراهم أو ثلاثة ، واستدل أحمد بقول الله تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره [ البقرة : 236 ] .

                                                                                                                                            [ ص: 354 ] ودليلنا هو أن ما أوجبه الشرع من حقوق المواساة كان مقدرا كالزكوات والنفقات فبطل به قول أحمد ، ولكن في تقديره طريقان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يبدأ بتقدير الأقل ، ويجعله أصلا للأكثر .

                                                                                                                                            والثاني : أن يبدأ بتقدير الأكثر ويجعله أصلا للأقل .

                                                                                                                                            فإن بدأت بتقدير الأقل في حق المتوسط فهو ما خرج عن حد التافه ، لأنه لو اقتصر على التافه جاز الاقتصار على القيراط والحبة وذلك مما لا يفي بالدية وينهدر به الدم ، وحد التافه ما لم يقطع فيه اليد ، لقول عائشة رضي الله عنها : لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشيء التافه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : القطع في ربع دينار فوجب أن يلزم المقل ما خرج عن حد التافه وهو ربع دينار ، وإذا لزم المقل ربع دينار وجب أن يضاعف في حق المكثر فيلزمه نصف دينار ، كما يلزم الموسر في النفقة مثلا نفقة المعسر ، وإن بدأت بتقدير الأكثر في حق المكثر فهو أن أول ما يواسي به الغني في زكاته نصف دينار من عشرين دينارا ، فحمل الغني نصف دينار ، لأن الزيادة عليه تؤول إلى الإجحاف ، ولا يقف على مقدار ، وإذا لزم الغني نصف دينار وجب أن يقتصر من المقل على نصفه كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر ، وفي هذا التقدير دليل وانفصال .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية