الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                              ( باب الهدنة )

                                                                                                                              من الهدون ، وهو السكون ؛ لأن بها تسكن الفتنة ؛ إذ هي لغة المصالحة ، وشرعا مصالحة الحربيين على ترك القتال المدة الآتية بعوض ، أو غيره ، وتسمى موادعة ، ومسالمة ، ومعاهدة ، ومهادنة ، وأصلها قبل الإجماع أول سورة براءة ، ومهادنته صلى الله عليه وسلم قريشا عام الحديبية ، وهي السبب لفتح مكة ؛ لأن أهلها لما خالطوا المسلمين ، وسمعوا القرآن أسلم منهم أكثر ممن أسلم قبل ، وهي جائزة لا واجبة أي : أصالة ، وإلا فالوجه وجوبها إذا ترتب على تركها إلحاق ضرر بنا لا يتدارك كما يعلم مما يأتي ( عقدها ) لجميع الكفار ، أو ( لكفار إقليم ) كالهند ( يختص بالإمام )  

                                                                                                                              ومثله مطاع بإقليم لا يصله حكم الإمام كما هو قياس نظائره ( ونائبه فيها ) وحدها ، أو مع غيرها ، ولو بطريق العموم لما فيها من الخطر ، ووجوب رعاية مصلحتنا ( و ) عقدها ( لبلدة ) ، أو أكثر من إقليم لا كله وفاقا للفوراني ، وخلافا للعمراني ( يجوز لوالي الإقليم أيضا ) أي : كما يجوز للإمام ، أو نائبه لاطلاعه على مصلحة ، وبحث البلقيني جوازها مع بلدة مجاورة لإقليمه إذا رأى المصلحة فيها لأهل إقليمه ؛ لأنها حينئذ من متعلقات إقليمه ، وتعين استئذان الإمام إن أمكن انتهى ، وإنما يتجه هذا التعين [ ص: 305 ] حيث تردد في وجه المصلحة

                                                                                                                              ( وإنما يعقدها لمصلحة   ) لما فيها من ترك القتال ، ولا يكفي انتفاء المفسدة قال تعالى { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } ، والمصلحة ( كضعفنا بقلة عدد ، وأهبة ) ؛ لأنه الحامل على المهادنة عام الحديبية ( أو ) عطف على ضعف ( رجاء إسلام ، أو بذل جزية ) ، أو إعانتهم لنا ، أو كفهم عن الإعانة علينا ، أو بعد دارهم ، وإن كنا أقوياء في الكل للاتباع في الأول ( فإن لم يكن ) بنا ضعف كما بأصله ، ورأى الإمام المصلحة فيها ( جازت أربعة أشهر ) ، ولو بلا عوض للآية السابقة ( لا سنة ) ؛ لأنها مدة الجزية فلا يجوز تقريرهم فيها بدون جزية

                                                                                                                              ( وكذا دونها ) ، وفوق أربعة أشهر ( في الأظهر ) للآية أيضا نعم لا يتقيد عقدها لنحو نساء ، ومال بمدة ( ولضعف ) بنا ( تجوز عشر سنين ) فما دونها بحسب الحاجة ( فقط ) ؛ لأنها مدة مهادنة قريش ، ومتى احتيج لأقل من العشر لم تجز الزيادة عليه ، وجوز جمع متقدمون الزيادة على العشر إن احتيج إليها في عقود متعددة بشرط أن لا يزيد كل عقد على عشر ، وهو قياس كلامهم في الوقف ، وغيره لكن نازع فيه الأذرعي بأنه غريب ، ويوجه بأن المعنى المقتضي لمنع ما زاد على العشر من كونها المنصوص عليها مع عدم دراية ما يقع بعدها موجود مع التعدد ففيه مخالفة للنص ؛ إذ الأصل منع الزيادة عليه ، وبه فارق نظائره نعم إن انقضت المدة

                                                                                                                              والحاجة باقية استؤنف عقد آخر ، وهكذا ، ولو زال نحو خوف أثناء المدة وجب إبقاؤها ، ويجتهد الإمام عند طلبهم لها ، ولا ضرر ، ويفعل الأصلح وجوبا ، ولو دخل دارنا بأمان لسماع كلام الله تعالى فتكرر سماعه له بحيث ظن عناده  أخرج ، ولا يمهل أربعة أشهر

                                                                                                                              التالي السابق



                                                                                                                              الخدمات العلمية