الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( و ) عند شرط ما ذكر من الرد ( لا يرد صبي ، ومجنون ) أنثى ، أو ذكر ، وصفا الإسلام أم لا امرأة ، وخنثى أسلما أي : لا يجوز ردهم ، ولو للأب ، أو نحوه لضعفهم ، فإن كمل أحدهما ، واختارهم مكناه منهم ، ومحل قولهم تسن الحيلولة بين صبي أسلم ، وأبويه فيمن هم بدارنا ؛ لأنا ندفع عنه ( وكذا ) لا يرد لهم ( عبد ) بالغ عاقل ، أو أمة ، ولو مستولدة جاء إلينا مسلما ، ثم إن أسلم بعد الهجرة ، أو قبل الهدنة عتق ، أو بعدهما ، وأعتقه سيده فواضح ، وإلا باعه الإمام لمسلم ، أو دفع لسيده قيمته من المصالح ، وأعتقه عن المسلمين ، والولاء لهم ( وحر ) كذلك ( لا عشيرة له ) ، أو له عشيرة ، ولا تحميه فلا يجوز رد أحدهما ( على المذهب ) لئلا يفتنوه [ ص: 311 ] ( ويرد ) عند شرط الرد لا عند الإطلاق ؛ إذ لا يجب فيه رد مطلقا ( من ) أي : حر ذكر بالغ عاقل ، ولو مسلما ( له عشيرة ) تحميه

                                                                                                                              وقد ( طلبته ) ، أو واحد منها ، ولو بوكيله كما هو ظاهر ( إليها ) ؛ لأنه { صلى الله عليه وسلم رد أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو } كذا استدلوا به ، ورد بأن هذا ، وإن جرى في الحديبية إلا أنه قبل عقد الهدنة معهم رواه البخاري ( لا إلى غيرها ) أي : عشيرته الطالبة له فلا يرد ، ولو بإذنهم فيما يظهر ، فإليها متعلق بكل من الفعلين ( إلا أن يقدر المطلوب على قهر الطالب ، والهرب منه ) فيرد إليه ، وعليه حملوا رده صلى الله عليه وسلم أبا بصير لما جاء في طلبه رجلان فقتل أحدهما ، وهرب منه الآخر ( ومعنى الرد ) هنا ( أن يخلي بينه ، وبين طالبه ) كما في الوديعة ، ونحوها ( ولا يجبر على الرجوع ) مع طالبه لحرمة إجبار المسلم على إقامته بدار الحرب

                                                                                                                              ( ولا يلزمه ) أي : المطلوب ( الرجوع ) مع طالبه ، بل يجوز له إن خشي فتنة ، وذلك ؛ لأنه لم يلتزمه إذا العاقد غيره ، ولهذا لم ينكر صلى الله عليه وسلم على أبي بصير امتناعه ، ولا قتله لطالبه ، بل سره ذلك ، ومن ثم سن أن يقال له سرا لا ترجع ، وإن رجعت فاهرب متى قدرت ( و ) جاز ( له قتل الطالب ) كما فعل أبو بصير ( ولنا التعريض له به ) كما عرض عمر لأبي جندل رضي الله عنهما بذلك لما طلبه أبوه بقوله : اصبر أبا جندل ، فإنما هم مشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب رواه أحمد ، والبيهقي ( لا التصريح ) ؛ لأنهم في أمان نعم من جاءنا مسلما بعد الهدنة يجوز له التصريح للمطلوب بقتل طالبه ؛ لأنه لم يتناوله الشرط .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : ولا يرد صبي ، ومجنون ) قال في شرح الروض : لضعفهما ، ولهذا لا يجوز الصلح بشرط ردهما . ا هـ . ( قوله : ومحل قولهم ) أي : الدال على جواز رد الصبي الذي أسلم لأبويه ، وإلا كانت الحيلولة واجبة ، وإذا كان محله ما ذكر لم يعارض قولهم هنا لا يجوز ردهم ، ولو للأب ؛ لأنه في الرد

                                                                                                                              ( قوله : ثم إن أسلم إلخ . ) في شرح الروض ، واعلم أن هجرته إلينا ليست شرطا في عنقه بل الشرط فيه أن يغلب على نفسه قبل الإسلام إن كانت هدنة ، ومطلقا إن لم تكن فلو هرب إلى مأمن ثم أسلم ، ولو بعد الهدنة ، أو أسلم ، ثم هرب قبلها عتق ، وإن لم يهاجر فلو مات قبل هجرته مات حرا يرث ، ويورث ، وإنما ذكروا هجرته ؛ لأن بها يعلم عتقه غالبا . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : أيضا ، ثم إن أسلم بعد الهجرة ، أو قبل الهدنة عتق ، أو بعدهما إلخ . ) عبارة الروض وشرحه ، ولو هاجر قبل الهدنة ، أو بعدها ثم أسلم عتق ؛ لأنه إذا جاء قاهرا لسيده ملك نفسه بالقهر فيعتق ، أو أسلم ، ثم هاجر قبل الهدنة فكذا يعتق لوقوع قهره حال الإباحة ، أو بعدها فلا يعتق ؛ لأن أموالهم محظورة حينئذ فلا يملكها المسلم بالاستيلاء . ا هـ . ( قوله : وإلا باعه الإمام ) أي على سيده ( قوله : وحر كذلك ) أي : بالغ عاقل [ ص: 311 ] قوله : ورد بأن هذا إلخ . ) قد يجاب بأن رده بعد الهدنة كرده قبلها إن لم يكن أولى ( قوله : متعلق بكل من الفعلين ) أي : يرد ، وطلبته ( قوله : وعليه حملوا رده صلى الله عليه وسلم أبا بصير إلخ . ) قضية هذا الحمل أن الجاني أي : في طلب أبي بصير لم يكن من عشيرته ، ولا وكيلا لهم

                                                                                                                              ( قوله : وله قتل الطالب ) لا ينافي ذلك الأمان الذي اقتضاه عقد الهدنة ؛ لأنه لم يتناول هذا المطلوب كما يأتي نظيره في قوله : نعم إلخ . ( قوله ؛ لأنهم في أمان ) فالمنافي للأمان التصريح لا التعريض



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله : من الرد ) أي : رد من جاءنا منهم ( قول المتن ، ولا يرد صبي إلخ ) لضعفهما ، ولهذا لا يجوز الصلح بشرط ردهما أسنى ، ومغني ( قول المتن ، ومجنون ) طرأ جنونه بعد بلوغه مشركا أم لا ا هـ . مغني ( قوله : أنثى ) إلى قوله : أي : لا يجوز في النهاية إلا قوله : أم لا ، وإلى المتن في المغني إلا أنه قيد الصبي بوصف الإسلام ، وأطلق المجنون ( قوله : وصفا الإسلام ) أي : أتيا بكلمة الإسلام ا هـ . نهاية ( قوله : أم لا ) أسقطه المنهج ، والأسنى ، والنهاية ( قوله : فإن كمل إلخ ) عبارة المغني ، فإن بلغ الصبي ، وأفاق المجنون ثم وصفا الكفر ردا ، وكذا إذا لم يصفا شيئا كما بحثه بعض المتأخرين ، وإن وصفا الإسلام لم يردا ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ومحل قولهم إلخ ) أي : الدال على جواز رد الصبي الذي أسلم لأبويه ، وإذا كان محله ما ذكر لم يعارض قولهم هنا لا يجوز ردهم ، ولو للأب ؛ لأنه في الرد إلى دار الكفر ا هـ . سم ( قوله : بالغ ) إلى قول المتن ، وحر في النهاية ( قوله : ولو مستولدة ) عبارة المغني أما الأمة المسلمة ، ولو مكاتبة ، ومستولدة فلا ترد قطعا ا هـ . ( قوله : ثم إن أسلم إلخ ) عبارة الروض مع شرحه ، والمغني ، ولو هاجر قبل الهدنة ، أو بعدها العبد ، أو الأمة ، ولو مستولدة ، ومكاتبة ثم أسلم كل منهما عتق ؛ لأنه إذا جاء قاهرا لسيده ملك نفسه بالقهر ، فيعتق ؛ ولأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فبالاستيلاء على نفسه ملكها ، أو أسلم ، ثم هاجر قبل الهدنة فكذا يعتق لوقوع قهره حال الإباحة ، أو بعدها فلا يعتق ؛ لأن أموالهم محظورة حينئذ فلا يملكها المسلم بالاستيلاء ، ولا يرد إلى سيده ؛ لأنه جاء مسلما مراغما له والظاهر أنه يسترقه ، ويهينه ، ولا عشيرة له تحميه ، بل يعتقه السيد ، فإن لم يفعل باعه الإمام عليه لمسلم ، أو دفع قيمته من بيت المال ، وأعتقه عنهم ، ولهم ، ولاؤه ، واعلم أن هجرته إلينا ليست شرطا في عتقه ، بل الشرط فيه أن يغلب على نفسه قبل الإسلام إن كانت هدنة ، ومطلقا إن لم تكن فلو هرب إلى مأمنه ، ثم أسلم ، ولو بعد الهدنة ، أو أسلم ، ثم هرب قبلها عتق ، وإن لم يهاجر فلو مات قبل هجرته مات حرا يرث ، ويورث ، وإنما ذكروا هجرته ؛ لأن بها يعلم عتقه غالبا

                                                                                                                              وأما المكاتبة فتبقى مكاتبة إن لم يعتق ، فإن أدت نجوم الكتابة عتقت بها ، وولاؤها لسيدها ، وإن عجزت ، ورقت ، وقد أدت شيئا من النجوم بعد الإسلام لا قبله حسب ما أدته من قيمتها الواجبة له ، فإن وفى بها ، أو زاد عليها عتقت ؛ لأنه استوفى حقه ، وولاؤها للمسلمين ، ولا يسترجع من سيدها الزائد ، وإن نقص عنها وفي من بيت المال ا هـ .

                                                                                                                              وبذلك علم ما في كلام الشارح هنا ، وكان ينبغي أن يقول : ثم إن هاجر قبل الإسلام مطلقا ، أو بعده ، وقبل الهدنة عتق ، أو بعدهما ، وأعتقه إلخ . كما أشار إليه سم بسوقه ما مر عن الروض مع شرحه

                                                                                                                              ( قوله : بعد الهجرة ) أي : ولو بعد الهدنة ا هـ . سيد عمر ( قوله : عتق ) أي : بنفس الإسلام ا هـ . ع ش ( قوله : أو بعدهما ) أي : بعد الهجرة ، والهدنة ا هـ . ع ش ( قوله : كذلك ) أي : بالغ عاقل سم ورشيدي أي : مسلم روض ( قوله : رد أحدهما ) أي : العبد ، والحر المذكورين ( قوله : عند شرط ) إلى المتن في النهاية ، والمغني [ ص: 311 ] قوله : عند شرط الرد ) أي : لمن جاءنا منهم قال الزركشي ، وإذا شرط رد من له عشيرة تحميه كان الشرط جائزا صرح به العراقيون ، وغيرهم قال البندنيجي والضابط أن كل من لو أسلم في دار الحرب لم يجب عليه الهجرة يجوز شرط رده في عقد الهدنة قال ابن شهبة وهو ضابط حسن ا هـ .

                                                                                                                              مغني ( قوله : مطلقا ) أي سواء كان له عشيرة ، أو لا ( قوله : أو واحد ) إلى قوله : كذا استدلوا في المغني ( قوله : على أبيه سهيل ) ثم أسلم بعد ذلك ، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه ا هـ . ع ش ( قوله : إلا أنه قبل عقد الهدنة إلخ ) أي : والكلام هنا فيما بعده ( قوله : أي : عشيرته الطالبة ) عبارة النهاية أي : لا يرد إلى غير عشيرته الطالبة له ا هـ . وعبارة المغني ، ولا يجوز رده إلى غيرها أي : عشيرته إذا طلبه ذلك الغير ؛ لأنهم يؤذونه ا هـ . فكان ينبغي للشارح تذكير الطالبة ( قوله : بكل من الفعلين ) أي : يرد ، وطلبته ا هـ . سم ( قوله : فيرد ) إلى قوله : ، والأوجه في المغني إلا قوله : ومن ثم إلى المتن ( قوله : فيرد إليه ) أي : الطالب أما إذا لم يطلبه أحد فلا يرد أسنى ، ومغني ( قوله : وعليه حملوا إلخ ) قضية هذا الحمل أن الجاني في طلبأبي بصير لم يكن من عشيرته ، ولا ، وكيلا لهم ا هـ . سم ( قوله : كما في الوديعة إلخ ) عبارة المغني ، ولا تبعد تسمية التخلية ردا كما في الوديعة ا هـ . ( قوله : لحرمة إجبار المسلم إلخ ) عبارة النهاية ؛ لأنه لا يجوز إجبار المسلم على الانتقال من بلد إلى بلد في دار الإسلام فكيف يجبر على دخول دار الحرب ا هـ . قال ع ش ، وعلم من هذه العبارة أن ما يقع من الملتزمين في زمننا من أنه إذا خرج فلاح من قرية ، وأراد استيطان غيرها أجبروه على العود غير جائز ، وإن كانت العادة جارية بزرعه ، وأصوله في تلك القرية ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ولهذا ) أي : لعدم الوجوب لم ينكر إلخ ولو كان الرجوع واجبا لأمره بالرجوع إلى مكة ا هـ . مغني ( قوله : ومن ثم ) أي : من أجل سروره صلى الله عليه وسلم بذلك ( قول المتن ، وله قتل الطالب ) لا ينافي ذلك الأمان الذي اقتضاه عقد الهدنة ؛ لأنه لم يتناول هذا المطلوب كما يأتي نظيره في قوله : نعم إلخ ا هـ . سم ( قوله : كما فعل أبو بصير ) أي : ولم ينكر صلى الله عليه وسلم عليه ( قول المتن : ولنا إلخ ) هو صادق بالإمام ، وآحاد المسلمين ا هـ . مغني عبارة النهاية ، ولو بحضرة الإمام خلافا للبلقيني ا هـ .

                                                                                                                              ( قول المتن له به ) أي : للمطلوب بقتل طالبه ا هـ . مغني ( قوله : كما عرض ) إلى قوله : وكذا إن أطلق في النهاية إلا قوله : ، والأوجه إلى المتن ( قوله : بذلك ) أي : بقتل طالبه عبارة المغني ، والنهاية بقتل أبيه ا هـ . ( قوله : لأنهم في أمان ) فالمنافي للأمان التصريح لا التعريض ا هـ . سم ( قوله : لأنه لم يتناوله إلخ ) عبارة النهاية ، والمغني ؛ لأنه لم يشرط على نفسه أمانا لهم ، ولا يتناوله شرط الإمام كما قاله الزركشي ا هـ .




                                                                                                                              الخدمات العلمية