الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( أو ) فتح ( صلحا بشرط الأرض لنا ، وشرط إسكانهم ) بخراج ( وإبقاء الكنائس ) ، ونحوها ( لهم جاز ) ؛ لأن الصلح إذا جاز بشرط كل البلد لهم فبعضها أولى ، ولهم حينئذ ترميمها ، وقضية قوله : وإبقاء منع الإحداث ، وهو كذلك ، وليس منه إعادتها ، وترميمها ، ولو بآلة جديدة ، ونحو تطيينها ، وتنويرها من داخل ، وخارج ، وقضيته أيضا منع شرط الإحداث ، وبه صرح الماوردي ، ونقلا عن الروياني ، وغيره جوازه ، وأقراه ، وحمله الزركشي على ما إذا دعت إليه ضرورة قال : وإلا فلا وجه له ، ورد بأن الأوجه إطلاق الجواز ( وإن أطلق ) شرط الأرض لنا ، وسكت عن نحو الكنائس ( فالأصح المنع ) من إبقائها ، وإحداثها فتهدم كلها ؛ لأن الإطلاق يقتضي صيرورة جميع الأرض لنا ، ولا يلزم من بقائهم بقاء محل عبادتهم فقد يسلمون ، وقد يخفون عبادتهم ( أو ) بشرط أن تكون الأرض لهم ، ويؤدون خراجها ( قررت ) كنائسهم ، ونحوها ( ولهم الإحداث في الأصح ) ؛ لأن الأرض لهم [ ص: 295 ] ( تنبيه )

                                                                                                                              ما فتح من ديار الحربيين بشرط مما ذكر لو استولوا عليه بعد كبيت المقدس كان عمر رضي الله عنه فتحه صلحا على أن الأرض لنا ، وأبقى لهم الكنائس ، ثم استولوا عليه ففتحه صلاح الدين بن أيوب كذلك ، ثم فتح بشرط يخالف ذلك فهل العبرة بالشرط الأول ؛ لأنه بالفتح الأول صار دار إسلام فلا يعود دار كفر كما هو ظاهر من صرائح كلامهم ، ومر في فصل الأمان ما له تعلق بذلك ، أو بالشرط الثاني ؛ لأن الأول نسخ به ، وإن لم تصر دار كفر كل محتمل لكن الوجه هو الأول ، وعجيب ممن أفتى بما يوافق الثاني ، ومعنى لهم هنا ، وفي نظائره الموهمة حل ذلك لهم ، واستحقاقهم له عدم المنع منه فقط ؛ لأنه من جملة المعاصي في حقهم أيضا ؛ لأنهم مكلفون بالفروع ، ولم ينكر عليهم كالكفر الأعظم لمصلحتهم بتمكينهم من دارنا بالجزية ليسلموا ، أو يأمنوا ، ومن هنا غلط الزركشي ، وغيره جمعا توهموا من تقرير الأصحاب لهم في هذا الباب على معاص أنهم غير مكلفين بها شرعا ، وهو غفلة فاحشة منهم إذ فرق بين لا يمنعون ، ولهم ذلك ؛ إذ عدم المنع أعم من الإذن الصريح في الإباحة شرعا ، ولم يقل بها أحد بل صرح القاضي أبو الطيب أن ما يخالف شرعنا لا يجوز إطلاق التقرير عليه ، وإنما جاء الشرع بترك التعرض لهم ، والفرق أن التقرير يوجب فوات الدعوة بخلاف ترك التعرض لهم ؛ لأنه مجرد تأخير المعاقبة إلى الآخرة انتهى ، ولكون ذلك معصية حتى في حقهم أيضا أفتى السبكي بأنه لا يجوز لحاكم الإذن لهم فيه ، ولا لمسلم إعانتهم عليه ، ولا إيجار نفسه للعمل فيه ، فإن رفع إلينا فسخناه ، ثم اختار لنفسه المنع من تمكينهم من كل ترميم ، وإعادة مطلقا ، وانتصر له ولده ، ولا يجوز دخول كنائسهم المستحقة الإبقاء إلا بإذنهم ما لم يكن فيها صورة معظمة ( تتمة )

                                                                                                                              ما فتح عنوة ، أو على أنه لنا للإمام رده عليهم بخراج معين يؤدونه كل سنة ، وتؤخذ الجزية معه ؛ لأنه أجرة لا تسقط بإسلامهم ، ومن ثم أخذ من أرض نحو صبي ، ولهم الإيجار لا نحو البيع ، ولا يشترط بيان المدة بل يكون مؤبدا كما مر في أرض العراق ، والأراضي التي عليها خراج لا يعرف أصله يحكم بحل أخذه لاحتمال أنه وضع بحق كما تقرر ، أو على أنه لهم بخراج معلوم كل سنة يفي بالجزية عن كل حالم منهم صح ، وأجريت عليهم أحكامها فيؤخذ ، وإن لم يزرعوا ، ويسقط بإسلامهم فإن اشتراها ، أو استأجرها مسلم صح [ ص: 296 ] والخراج على البائع ، والمؤجر

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : وليس منه إعادتها ، وترميمها ، ولو بآلة جديدة ، ونحو تطيينها ، وتنويرها إلخ . ) في الروض ، وشرحه ، ولهم عمارة أي : ترميم كنائس جوزنا إبقاءها إذا استهدمت فترمم بما تهدم لا بآلات جديدة كذا قاله السبكي ، والذي قاله ابن يونس في شرح الوجيز ، واقتضى كلامه الاتفاق عليه أنها ترمم بآلات جديدة قال في الأصل : ولا يجب إخفاؤها فيجوز تطيينها من داخل ، وخارج لا إحداثها فلو انهدمت الكنائس المبقاة ، ولو بهدمهم لها تعديا خلافا للفارقي أعادوها ، وليس لهم توسيعها . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ولو بآلة جديدة ) مع تعذر فعل ذلك بالقديمة وحدها م ر ( قوله : ونقلا عن الروياني ، وغيره جوازه ) جزم به الروض ( قوله : وحمله الزركشي على ما إذا دعت إليه ضرورة ) كتب عليه م ر ( قوله : ولهم الإحداث في الأصح ) زاد في الروض وشرحه ، ولا يمنعون من إظهار شعائرهم كخمر ، وخنزير ، وأعيادهم ، وضرب ناقوسهم [ ص: 295 ]

                                                                                                                              [ ص: 296 ] وظاهر صنيعه أنهم يمنعون من ذلك فيما تقدم ( قوله : والخراج على البائع ، والمؤجر ) أي : ؛ لأنه جزية



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قول المتن : جاز ) المراد به عدم المنع ؛ إذ الجواز حكم شرعي ، ولم يرد الشرع بجواز ذلك نبه عليه السبكي ا هـ . مغني ( قوله : لأن الصلح ) إلى قوله : وبه صرح في النهاية ( قوله : وليس منه ) أي : من الإحداث ا هـ . ع ش ( قوله : ولو بآلة جديدة ) مع تعذر فعل ذلك بالقديمة ، وحدها ا هـ . نهاية ، وقال في المغني ، والروض مع شرحه : ولهم ترميم كنائس جوزنا إبقاءها إذا استهدمت ؛ لأنها مبقاة فترمم بما تهدم لا بآلات جديدة كذا قاله السبكي ، والذي قاله ابن يونس في شرح الوجيز ، واقتضى كلامه الاتفاق عليه إنها ترمم بآلات جديدة ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ونحو تطيينها إلخ ) ، وليس لهم توسيعها ؛ لأن الزيادة في حكم كنيسة محدثة متصلة بالأولى ا هـ . مغني ، وروض مع شرحه ( قوله : وتنويرها ) عطف مغاير ا هـ . ع ش ( قوله : منع شرط الإحداث ) أي : منهم علينا سواء الابتداء من جانبهم ، ووافقهم الإمام ، أو عكسه ا هـ ع ش ( قوله : وبه صرح إلخ ) عبارة النهاية ، وهو كذلك إن لم تدع له ضرورة ، وإلا جاز ا هـ . ( قوله : وحمله الزركشي إلخ ) اعتمده النهاية كما مر ( قوله : ورد إلخ ) عبارة المغني ، ومقتضى التعليل الجواز مطلقا ، وهو الظاهر ا هـ . ( قوله : شرط الأرض ) إلى التنبيه في النهاية ، وكذا في المغني إلا قوله : ولا يلزم إلى المتن ( قوله : وسكت عن نحو الكنائس ) أي : فلم يذكر فيه إبقاءه ، ولا عدمه ا هـ . مغني

                                                                                                                              ( قول المتن : قررت إلخ ) ، ولا يمنعون من إظهار شعارهم كخمر ، وخنزير ، وأعيادهم ، وضرب ناقوسهم ، ويمنعون من إيواء الجاسوس ، وتبليغ الأخبار ، وسائر ما نتضرر به في ديارهم مغني ، وروض مع شرحه ، وفي سم بعد ذكر ذلك عن الروض وشرحه إلا قوله : ويمنعون إلخ ما نصه ، وظاهر صنيعه أنهم يمنعون من ذلك فيما تقدم ا هـ . أي : كما سيأتي التصريح بذلك ( قول المتن ، ولهم الإحداث إلخ ) هل يشترط لصحة الصلح مع شرط الإحداث تعيين ما يحدثونه من كنيسة ، أو أكثر ، ومقدار الكنيسة ، أو [ ص: 295 ] يكفي الإطلاق فيه نظر ، والذي ينبغي الصحة مع الإطلاق ، ويحمل على ما جرت به عادة مثلهم في مثل ذلك البلد ، ويختلف بالكبر ، والصغر ا هـ . ع ش ( قوله : ما فتح ) إلى قوله : أيضا في النهاية إلا قوله : كان عمر إلى ، ثم فتح ، وقوله : ومر إلى ، أو بالشرط ، وقوله : وعجيب إلى ، ومعنى لهم ( قوله : كذلك ) أي : صلحا على أن الأرض لنا إلخ ( قوله : ثم فتح إلخ ) عطف على قوله : استولوا عليه ( قوله : لكن الوجه إلخ ) قدمنا عن المغني ما يوافقه ( قوله : هو الأول ) أي : إن العبرة بالشرط الأول ا هـ ع ش .

                                                                                                                              ( قوله : ومعنى لهم ) إلى قوله : أيضا في المغني ( قوله : هنا ) أي : في قول المصنف ، ولهم الإحداث إلخ . ( قوله : حل ذلك ) أي : إحداث نحو الكنيسة فلا يعاقبون عليه في الآخرة ، وقوله : أو استحقاقهم له أي : فيجوز للإمام الإذن لهم فيه ، ويأثم بالمنع منه ( قوله : عدم المنع إلخ ) خبر قوله : ومعنى لهم إلخ . ( قوله : عدم المنع منه فقط ) أي : عدم تعرضنا لهم لا أنه يجوز لهم ذلك ، ونفتيهم به ا هـ . نهاية ( قوله : فقط ؛ لأنه إلخ ) عبارة المغني عن السبكي ، وليس المراد أنه جائز ، بل هو من جملة المعاصي التي يقرون عليها كشرب الخمر ، ولا نقول إن ذلك جائز ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ومن هنا ) أي : من أجل أن معنى لهم هنا ، وفي نظائره عدم المنع منه فقط ( قوله : في هذا الباب ) أي : باب الجزية ( قوله : وهو ) أي : هذا التوهم ( قوله : منهم ) أي : الجمع المذكور ( قوله : الصريح إلخ ) صفة كاشفة للإذن ( قوله : أن ما يخالف إلخ ) أي : بأن ما إلخ . ( قوله : انتهى ) أي : كلام القاضي ( قوله : ولكون ذلك ) أي : نحو إحداث الكنيسة ( قوله : أفتى السبكي ) إلى قوله : وانتصر في المغني ( قوله : لا يجوز لحاكم ) عبارة المغني عن السبكي لا يحل للسلطان ، ولا للقاضي أن يقول لهم افعلوا ذلك ا هـ . ( قوله : فسخناه ) أي : الإيجار المذكور ( قوله : ثم اختار ) أي : السبكي من كل ترميم ، وإعادة أي : لنحو كنيسة مطلقا أي : سواء استحقت الإبقاء ، أو لا

                                                                                                                              ( قوله : ولا يجوز إلخ ) عبارة المغني فائدة قال الشيخ عز الدين ولا يجوز للمسلم دخول كنائس أهل الذمة إلا بإذنهم ، ومقتضى ذلك الجواز بالإذن ، وهو محمول على ما إذا لم تكن فيها صورة ، فإن كانت ، وهي لا تنفك عن ذلك حرم هذا إذا كانت مما يقرون عليها ، وإلا جاز دخولها بغير إذنهم ؛ لأنها واجبة الإزالة ، وغالب كنائسهم الآن بهذه الصفة ا هـ . ( قوله : معظمة ) احتراز عن الصورة المنقوشة في الأحجار المفروشة ( قوله : ما فتح ) إلى قوله : على المعتمد في المغني إلا قوله : ولا يشترط إلى ، أو على أنه ( قوله : أو على أنه لنا ) أي : أو فتح صلحا على أن الأرض لنا ( قوله : للإمام رده إلخ ) خبر ما فتح إلخ . ( قوله : وتؤخذ الجزية إلخ ) عبارة المغني فالمأخوذ منهم أجرة ؛ لأن ذلك عقد إجارة فلا يسقط بإسلامهم ، ولا يشترط فيه أن يبلغ دينارا ، والجزية باقية فتجب مع الأجرة ا هـ . ( قوله : ؛ لأنه ) أي : الخراج ( قوله : لا تسقط إلخ ) خبر ثان ؛ لأن فكان الأولى التذكير ( قوله : من أرض نحو صبي ) أي : ممن لا جزية عليه كمجنون ، وامرأة ، وخنثى ا هـ . مغني ( قوله : ولهم الإيجار ) ؛ لأن المستأجر يؤجر ا هـ . مغني ( قوله : لا نحو البيع ) أي : مما يزيل الملك كالهبة ( قوله : ولا يشترط إلخ ) أي : في رده إليهم بخراج معين ( قوله : أو على أنه ) أي : ما فتح صلحا إلخ ، وهذا عطف على قوله : أو على أنه لنا إلخ وكان الأنسب تقديمه على قوله : والأراضي التي إلخ ( قوله : كل سنة ) يعني : يؤدونه كل سنة ( قوله : صح ) أي : الصلح المذكور ( قوله : وأجريت عليه ) أي : الخراج المأخوذ أحكامها أي : الجزية فيصرف مصرف الفيء ، ولا يؤخذ من أرض صبي ، ومجنون ، وامرأة ، وخنثى ا هـ . مغني ( قوله : وإن لم يزرعوا ) أي : الأرض ( قوله : فإن اشتراها ) أو اتهبها ا هـ . مغني ( قوله : صح ) أي : وعليه الثمن ، والأجرة ا هـ .

                                                                                                                              مغني ( قوله : [ ص: 296 ] على البائع إلخ ) أي : باق عليهما ؛ لأنه جزية ا هـ . سم




                                                                                                                              الخدمات العلمية