الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 986 ص: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ثُمَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا قَدْ رُوِّينَا عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ: ثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَا: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَلَّى صَلَاةً قَطُّ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا إِلَّا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِجَمْعٍ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا" . فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا عَايَنَ مِنْ جَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ هُوَ بِخِلَافِ مَا تَأَوَّلَهُ الْمُخَالِفُ لَنَا؛ فَهَذَا حُكْمُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحِ مَعَانِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي جَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-. شرح معاني الآثار ش: أَشَارَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَى تَأْكِيدِ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ : أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَيُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِعْلًا لَا وَقْتًا، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، ثُمَّ رَوَى أَنَّهُ مَا رَأَى أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَطُّ صَلَّى صَلَاةً فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ؛ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ مِثْلَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الْأُولَى إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَيُقَدِّمُ الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِذْ لَوْ كَانَ مَعْنَى كَلَامِهِ مِثْلَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لَكَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا؛ لَأَنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ: كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَلَّى صَلَاةً قَطُّ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً وَهُنَا حِوَارٌ آخَرُ ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عِنْدَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَإِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ مَا خَلَا الْحَسَنَ بْنَ نَصْرٍ ، وَالْفِرْيَابِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَنِسْبَتُهُ إِلَى فَارْيَابَ بُلَيْدَةٍ بِنَوَاحِي بَلْخٍ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْفِرْيَابِيُّ وَالْفَارْيَابِيُّ، وَالْفِيرْيَابِيُّ بِزِيَادَةِ الْيَاءِ. وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَعْمَشُ هُوَ سُلَيْمَانُ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ . فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ، صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا". وَلَفْظُ مُسْلِمٍ نَحْوَهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ : "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا إِلَّا بِجَمْعٍ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنَ الْغَدِ قَبْلَ وَقْتِهَا" . وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا إِلَّا بِجَمْعٍ وَعَرَفَاتٍ " . قَوْلُهُ: "بِجَمْعٍ" بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، عَلَمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَمَّا أُهْبِطَا مِنَ الْجَنَّةِ اجْتَمَعَا بِهَا. قَوْلُهُ: "لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا" أَيْ: فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَأَرَادَ أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ، أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَجْلِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَرَقَى عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، ثُمَّ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ".

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية