الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1029 ص: وقد روي عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- في ذلك ما يدل على نسخ ما روي في ذلك عن عائشة وحفصة -رضي الله عنها- كما حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا ، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي ، قال: ثنا فضيل بن مرزوق ، قال: ثنا شقيق بن عقبة ، عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "نزلت: "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" [ ص: 330 ] فقرأناها على عهد رسول الله -عليه السلام- ما شاء الله، ثم نسخها الله - عز وجل - فأنزل: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى .

                                                قال أبو جعفر - رحمه الله -: فأخبر البراء في هذا الحديث أن التلاوة الأولى هي كما روت عائشة وحفصة ، وأنه نسخ ذلك التلاوة التي قامت بها الحجة، فإن كان قوله الثاني: "والصلاة الوسطى" نسخا للعصر أن تكون هي الوسطى فذلك نسخ لها، وإن كان نسخا لتلاوة أحد اسميها وتثبيتا لاسمها الآخر؛ فإنه قد ثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، فلما احتمل هذا ما ذكرنا، عدنا إلى ما روي عن النبي -عليه السلام- في ذلك، فحدثنا علي بن معبد ، قال: ثنا شجاع بن الوليد ، قال: أنا زائدة بن قدامة ، قال: سمعت عاصما يحدث، عن زر ، عن علي -رضي الله عنه - قال: "قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن العصر حتى كربت الشمس أن تغيب، فقال النبي -عليه السلام-: اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارا، واملأ بيوتهم نارا، واملأ قلوبهم نارا، قال علي -رضي الله عنه -: كنا نرى أنها صلاة الفجر" .

                                                قال أبو جعفر : فهذا علي -رضي الله عنه - قد أخبر أنهم كانوا يرونها قبل قول النبي -عليه السلام- هذا؛ الصبح، حتى سمعوا النبي -عليه السلام- يومئذ يقول هذا، فعلموا بذلك أنها العصر .

                                                التالي السابق


                                                ش: وجه النسخ ظاهر؛ لأن البراء صرح به في روايته، ولكن قوله يحتمل وجهين:

                                                أحدهما: أن يكون قوله: والصلاة الوسطى نسخا للعصر عن أن تكون هي الوسطى.

                                                والآخر: أن يكون هذا نسخا لتلاوة أحد اسمي العصر كما قلنا: إن لها اسمين: العصر، والوسطى، فإذا نسخ أحدهما يكون تثبيتا للآخر، فإذا كان كذلك يثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، ولكن لما احتمل كلامه هذين الوجهين، رجعنا إلى ما روي عن غيره في الصلاة الوسطى، فوجدنا حديث علي -رضي الله عنه - يدل على أن [ ص: 331 ] الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأنه صرح فيه بذلك؛ فترجح الاحتمال الثاني وسقط الأول، فتكون الوسطى هي العصر وهو المطلوب، فيكون هذا من قبيل نسخ التلاوة وحكمها باق، فافهم.

                                                وإسناد حديث البراء صحيح على شرط مسلم ، وأبو شريح محمد بن زكريا بن يحيى القضاعي ذكره ابن يونس فيمن ورد إلى مصر وقال: كان رجلا صالحا يفهم الحديث ويحفظ.

                                                وأخرجه مسلم : ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، قال: أنا يحيى بن آدم ، قال: ثنا الفضيل بن مرزوق ، عن شقيق بن عقبة ، عن البراء بن عازب قال: "نزلت..." إلى آخره نحوه، وفي آخره: "فقال رجل كان جالسا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر؟ فقال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف سماها الله" .

                                                وكذا إسناد حديث علي -رضي الله عنه - صحيح، وعاصم هو ابن بهدلة وهو ابن أبي النجود ، روى له الجماعة؛ البخاري ومسلم مقرونا.

                                                وزر - بكسر الزاي المعجمة بعدها الراء المشددة - بن حبيش الأسدي أبو مطرف الكوفي روى له الجماعة.

                                                وأخرجه البخاري : في باب غزوة الخندق : ثنا إسحاق ، ثنا روح ، ثنا هشام ، عن محمد بن عبيدة ، عن علي -رضي الله عنه - عن النبي -عليه السلام- أنه قال يوم الخندق : "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس" .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي قال: "لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" .

                                                [ ص: 332 ] وأخرجه أبو داود : نا عثمان بن أبي شيبة ، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ويزيد بن هارون ، عن هشام بن حسان ، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي : "أن رسول الله -عليه السلام- قال يوم الخندق : حبسونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا" .

                                                وأخرجه الترمذي في التفسير: ثنا هناد ، ثنا عبدة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي حسان الأعرج ، عن عبيدة السلماني ، أن عليا -رضي الله عنه- حدثه: "أن النبي -عليه السلام- قال يوم الأحزاب: اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس" .

                                                قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن علي ، وأبو حسان الأعرج اسمه مسلم .

                                                وأخرجه النسائي : أنا محمد بن عبد الأعلى ، قال: ثنا خالد ، قال: ثنا شعبة ، قال: أخبرني قتادة ، عن أبي حسان ، عن عبيدة ، عن علي -رضي الله عنه -، عن النبي -عليه السلام- قال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" .

                                                قلت: هؤلاء كلهم أخرجوه من حديث عبيدة عن علي -رضي الله عنه -.

                                                وكذا أخرجه الدارمي في "سننه": وأحمد في "مسنده".

                                                وأخرجه أحمد أيضا: من حديث زر ، عن علي كرواية الطحاوي ، وقال: نا محمد بن جعفر ، نا شعبة ، عن جابر ، أن عاصم بن بهدلة ، قال: سمعت زرا [ ص: 333 ] يحدث، عن علي -رضي الله عنه - عن النبي -عليه السلام-: "أنه قال يوم أحد: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم وبطونهم نارا" .

                                                وهذا كما ترى وقع في روايته: "يوم أحد".

                                                وأخرجه البزار أيضا في "مسنده": نحو رواية الطحاوي ، وقال: ثنا أحمد بن عبدة الضبي ، قال: ثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر ، عن علي -رضي الله عنه -: أن النبي -عليه السلام- قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا" وقال: هذا الحديث روي عن علي -رضي الله عنه - من غير وجه.

                                                قوله: "قاتلنا الأحزاب " جمع حزب - بالكسر - وهي الطوائف من الناس، وأراد بها الطوائف الذين جاءوا يوم الخندق ، ويوم الخندق هو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة ، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل: في الرابعة، والخندق فارسي معرب، وأصله كندة أي محفور.

                                                قوله: "حتى كربت الشمس" بمعنى: دنت وقاربت، وهي من أفعال المقاربة كعسى وكاد وأوشك وأخواتها، وكرب - بفتح الراء - ومعناه يعني كاد، نص عليه الجوهري وغيره وحكم خبرها حكم خبر كاد وفي الأكثر تجريده من أن، ولم يذكر سيبويه فيه غير التجريد، وقد ذكرت ها هنا ب "أن" نحو "كربت الشمس أن تغيب" ومعناه قرب غروبها، كما تقول: كادت الشمس تغيب، أي قرب غروبها.

                                                قوله: "كنا نرى" أي: نظن "أن صلاة الوسطى صلاة الفجر" فعلموا في ذلك الوقت أنها هي العصر.

                                                فإن قيل: ما الحكمة في جمعه -عليه السلام- في الدعاء عليهم البيوت والقبور.

                                                [ ص: 334 ] قلت: ليعم عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، وخص -صلى الله عليه وسلم- النار؛ لأنه أكبر أنواع العذاب.

                                                ويستفاد منه: جواز الدعاء على أعداء الدين بما شاء من الأدعية ، وبيان فضيلة صلاة العصر على غيرها ، ألا ترى كيف جاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -عليه السلام- قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" .

                                                أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود .

                                                وجاء في حديث أبي المليح : "من ترك صلاة العصر حبط عمله" .

                                                أخرجه البخاري .



                                                الخدمات العلمية