الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                946 ص: حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا أبو اليمان ، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن عروة ، أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أعتم رسول الله -عليه السلام- ليلة بالعتمة حتى ناداه عمر -رضي الله عنه- فقال: نام النساء والصبيان، فخرج النبي -عليه السلام- فقال: ما ينتظرنا أحد من أهل الأرض غيركم، ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ، ثم قال: وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب غسق الليل إلى ثلث الليل" . -صلى الله عليه وسلم-

                                                التالي السابق


                                                ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، وأبو اليمان اسمه الحكم بن نافع شيخ البخاري ، والزهري هو محمد بن مسلم .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا أيوب بن سليمان ، قال: حدثني أبو بكر ، عن سليمان ، قال صالح بن كيسان : أخبرني ابن شهاب ، عن عروة ، أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أعتم رسول الله -عليه السلام- بالعشاء حتى ناداه عمر -رضي الله عنه-: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ، قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول" .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا عمرو بن سواد العامري وحرملة بن يحيى ، قالا: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، أن ابن شهاب أخبره، قال: أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي -عليه السلام- قالت: "أعتم رسول الله -عليه السلام- ليلة من الليالي بصلاة العشاء وهي التي تدعى العتمة، فلم يخرج رسول الله -عليه السلام- حتى قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله -عليه السلام-، فقال لأهل المسجد حين [ ص: 228 ] خرج عليهم: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس".

                                                زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب : وذكر لي أن رسول لله -عليه السلام- قال: "وما كان لكم أن تبرزوا رسول الله -عليه السلام- للصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-
                                                .

                                                وأخرجه النسائي : أخبرني عمرو بن عثمان ، قال: ثنا ابن حمير ، قال: ثنا ابن أبي عبدة ، عن الزهري .

                                                قال: وأخبرني عمرو بن عثمان ، قال: حدثني أبي، عن شعيب ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت: "أعتم رسول الله -عليه السلام- ليلة بالعتمة، فناداه عمر : نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله -عليه السلام- فقال: ما ينتظرها غيركم، ولم يصل يومئذ إلا بالمدينة - ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل " واللفظ لابن حمير .

                                                قوله: "أعتم" أي دخل الأول في العتمة، وهي وقت صلاة، قال الخليل : العتمة هو الثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عتم الليل يعتم، وعتمته: ظلامه.

                                                قوله: "غسق الليل" أراد به الشفق، ولهذا جاء في رواية البخاري : "وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول" . وكذا في رواية النسائي .

                                                وفيه: دلالة على أن ما بعد ثلث الليل وقت من وقت العشاء .

                                                وفيه حجة لأبي حنيفة في استحباب التأخير.

                                                فإن قيل: هذا لا يدل على أفضلية التأخير لأنه -عليه السلام- أخرها في بعض الأوقات كما في حديث ابن عمر : "مكثنا ذات ليلة" فهذا يدل على أنه لم يكن له عادة، أو يكون لأجل شغل شغله كما في الحديث الآخر: "فلا أدري أشيء شغله في أهله أو غير [ ص: 229 ] ذلك" . وكما جاء في حديث جابر : "أنه جهز جيشا" . وكما جاء في رواية أخرى: "فخرج ورأسه يقطر ماء" . أو يكون إنما أخرها لنوم عليه، أو لشغل آخر من شغل المسلمين.

                                                قلت: قوله: "وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها " دليل صريح على أن التأخير أفضل، ولا يبعد أن يكون النبي -عليه السلام- أخرها لأجل الفضيلة، وقد اتفق له ما اتفق مما ذكر، فافهم.




                                                الخدمات العلمية