الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1130 ص: فإن احتج محتج في تعجيل الظهر بما قد حدثنا فهد ، قال: ثنا ابن الأصبهاني ، قال: ثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن سويد بن غفلة ، قال: "سمع الحجاج أذانه بالظهر وهو في الجبانة، فأرسل إليه، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقال: صليت مع أبي بكر ، وعمر ، وعثمان -رضي الله عنهم- حين زالت الشمس، قال: فصرفه، وقال: لا تؤذن ولا تؤم" .

                                                قيل له: ليس في هذا الحديث أن الوقت الذي رآهم فيه سويد كان في الصيف فقد يجوز أن يكون كان في الشتاء ويكون حكم الصيف عندهم بخلاف ذلك، والدليل على هذا: أن يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا أبو بكر الحنفي ، قال: ثنا عبد الله بن نافع ، عن أبيه، عن ابن عمر ، "أن عمر -رضي الله عنه- قال لأبي محذورة بمكة : أنت بأرض حارة شديدة الحر فأبرد ثم أبرد بالأذان للصلاة" .

                                                قال أبو جعفر - رحمه الله -: أفلا ترى أن عمر -رضي الله عنه- قد أمر أبا محذورة في هذا الحديث بالإبراد لشدة الحر؟ فأولى الأشياء بنا أن نحمل ما روى عنه سويد على غير خلاف ذلك، فيكون ذلك كان منه في وقت لا حر فيه.

                                                التالي السابق


                                                ش: وجه الاحتجاج: أن سويد بن غفلة أخبر أنه صلى مع أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- في أول الوقت، فدل على أن التعجيل هو السنة مطلقا ؛ لأنه لو لم يكن السنة لما فعل بها الخلفاء الثلاثة الراشدون.

                                                وتقرير الجواب: أنه لا دليل فيه أن الوقت الذي رآهم سويد يصلون فيه كان في الصيف، فيحتمل أن يكون قد كان ذلك في الشتاء، بل هو المراد، والدليل عليه أن [ ص: 463 ] عمر -رضي الله عنه- أمر أبا محذورة مؤذن مكة أن يبرد بالأذان للصلاة في شدة الحر فلو لم يكن هذا عند عمر سنة لما أمره بذلك.

                                                ثم إسناد أثر سويد صحيح، وابن الأصبهاني هو محمد بن سعيد شيخ البخاري .

                                                وأبو حصين - بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة - واسمه عثمان بن عاصم الكوفي ، روى له الجماعة.

                                                وسويد بن غفلة بن عوسجة الكوفي أدرك الجاهلية، وروي عنه أنه قال: "أنا لدة النبي -عليه السلام-؛ ولدت عام الفيل" . قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله -عليه السلام-.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان ، قال: حدثني ميمون بن مهران : " أن سويد بن غفلة كان يصلي الظهر حين تزول الشمس ، فأرسل إليه الحجاج : لا تسبقنا بصلاتنا، فقال سويد : قد صليتها مع أبي بكر وعمر هكذا، والموت أقرب إلي من أن أدعها" .

                                                قوله: "في الجبانة" الجبان والجبانة الصحراء، وتسمى المقابر جبانة أيضا؛ لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه.

                                                قوله: "فصرفه" أي منعه الحجاج عن الأذان والإقامة، والحجاج هو ابن يوسف الثقفي الظالم المشهور، وكان عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان ، وتوفي سنة خمس وتسعين من الهجرة، وعمره ثلاث - أو أربع - وخمسون سنة.

                                                وأما أثر عمر بن الخطاب فأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز .

                                                عن أبي بكر الحنفي الصغير واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد روى له الجماعة.

                                                عن عبد الله بن نافع القرشي ، فيه مقال، فعن يحيى : ضعيف، وعنه: يكتب حديثه. وقال البخاري : منكر الحديث. وقال النسائي : متروك الحديث. روى له ابن ماجه [ ص: 464 ] عن أبيه نافع مولى ابن عمر .

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه": عن معمر ، عن أيوب ويزيد بن أبي زياد ، عن عكرمة بن خالد ، قال: "قدم عمر مكة ، فأذن له أبو محذورة ، فقال له عمر : أما خشيت أن ينخرق مريطاؤك؟! قال: يا أمير المؤمنين قدمت فأحببت أن أسمعكم أذاني، فقال له عمر : إن أرضكم معشر أهل تهامة حارة، فأبرد ثم أبرد - مرتين أو ثلاثا - ثم أذن، ثم ثوب" انتهى.

                                                وأبو محذورة - بضم الذال المعجمة – اسمه أوس ، وقيل: سمرة ، وقيل: سلمة ، وقيل: سلمان ، واسم أبيه معير - بكسر الميم، وسكون العين، وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره راء - وكان أحسن الناس أذانا وأنداهم صوتا، وجعله النبي -عليه السلام- على أذان مكة يوم منصرفه من حنين ، فلم يزل يؤذن فيها إلى أن توفي بمكة سنة تسع وخمسين من الهجرة.

                                                قوله: "مريطاؤك" المريطاء - بضم الميم، وبالمد - هي الجلدة التي بين السرة والعانة، وهي في الأصل مصغرة مرطاء، وهي الملساء التي لا شعر عليها، وقد تقصر.




                                                الخدمات العلمية