الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 1192 ص: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : " وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ: هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ ، قَالَ: وَقَرَأَ عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ " . شرح معاني الآثار ش: أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ مَخْلَدٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ ، وَأَبُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ قَالَ: وَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا. وَرَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" بِأَتَمَّ مِنْهُ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَأُمَّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدٌ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ أَخْرَجَهَا اللَّهُ لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَرَأَهَا عَلَيْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آيَةٍ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٍ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ آيَةٍ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ آيَةٍ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ آيَةٍ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إِلَى آخِرِهَا آيَةً" . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي - قَالَ: هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سَبْعًا، قُلْتُ لِأَبِي: أَخْبَرَكَ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا" . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ جُرَيْجٍ وَالِدَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُهُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ حَدِيثَهُ يُتَابَعُ عَلَيْهِ سَيُعَارِضُهُ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِذَا نَهَضَ فِي الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَسْكُتْ" . رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ كَمَا يَجِيءُ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا؛ وَهَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَقَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ. وَهَذَا كَمَا رَأَيْتَ قَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ حَدِيثَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَآثَارًا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرُهُ أَيْضًا أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَعَلِيٌّ وَعَمَّارٌ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَأَنَسٌ وَمُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-. أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ : عَنْ أَبِي أُوَيْسٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُوَيْسٍ - قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : "أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" فَقَالَا فِيهِ: "قَرَأَ" عِوَضَ "جَهَرَ". وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا أُوَيْسٍ لَا يُحْتَجُّ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَكَيْفَ إِذَا انْفَرَدَ بِشَيْءٍ وَخَالَفَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ؟! فَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ، وَمِمَّنْ وَثَّقَهُ: الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَبُو أُوَيْسٍ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ". قُلْتُ: صَاحِبَا "الصَّحِيحِ" إِذَا أَخْرَجَا لِمَنْ تُكَلِّمَ فِيهِ إِنَّمَا يُخْرِجَانِ بَعْدَ انْتِقَائِهِمَا مِنْ حَدِيثِهِ مَا تُوبِعَ عَلَيْهِ وَظَهَرَتْ شَوَاهِدُهُ وَعُلِمَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَلَا يَخْرُجَانِ مَا تُفُرِّدَ بِهِ سِيَّمَا إِذَا خَالَفَهُ الثِّقَاتُ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ رَاجَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنِ اسْتَدْرَكَ عَلَى "الصَّحِيحَيْنِ" فَتَسَاهَلُوا فِي اسْتِدْرَاكِهِمْ، وَمِنْ أَكْثَرِهِمْ تَسَاهُلًا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ "الْمُسْتَدْرَكِ"؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هَذَا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا؛ وَفِيهِ هَذِهِ الْعِلَّةُ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُحْتَجًّا بِهِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي أَيِّ حَدِيثٍ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ دَحْيَةَ فِي كِتَابِهِ "الْعَلَمُ الْمَشْهُورُ": وَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَحَفَّظُوا مِنْ قَوْلِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ، ظَاهِرُ السَّقْطِ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَقَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أُوَيْسٍ هَذَا لَمْ يُتْرَكْ لِكَلَامِ النَّاسِ فِيهِ، بَلْ لِتَفَرُّدِهِ بِهِ وَمُخَالَفَةِ الثِّقَاتِ لَهُ، وَعَدَمُ إِخْرَاجِ أَصْحَابِ الْمَسَانِيدِ وَالْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَالسُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ. وَلِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْحَدِيثَ فِي "صَحِيحِهِ" مِنْ طَرِيقِهِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبَسْمَلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ : عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "عَلَّمَنِي جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّلَاةَ، فَقَامَ فَكَبَّرَ لَنَا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" . قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّ خَالِدَ بْنَ إِلْيَاسَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : رَوَى الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ : رَوَى عَنِ الْمَقْبُرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ آخَرُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُكْرَمٍ ، نَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ أَبِي بِلَالٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدَ فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى آيَاتِهَا" . قُلْتُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ : ثُمَّ لَقِيتُ نُوحًا فَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ الْكُبْرَى": رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ ثِقَةٌ؛ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . قُلْتُ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُضَعِّفُهُ وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا رَفْعَهُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَهْرِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالصَّوَابُ فِيهِ الْوَقْفُ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ ، فَرَوَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنْهُ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ، فَرَوَاهُ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ نُوحٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وَرَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ نُوحٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّوَابُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مَوْقُوفٌ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ إِذْ لَا يَقُولُ الصَّحَابِيُّ: إِنَّ الْبَسْمَلَةَ إِحْدَى آيَاتِ الْفَاتِحَةِ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ أَوْ دَلِيلٍ قَوِيٍّ ظَهَرَ لَهُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ سَائِرِ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ. قُلْتُ: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقْرَأُهَا فَظَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ، فَقَالَ: إِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ قَبْلَ السُّورَةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يُخْبِرْ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: هِيَ إِحْدَى آيَاتِهَا، وَقِرَاءَتُهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَهَا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلَا يُعَارَضُ بِهِ أَدِلَّتُنَا الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ، وَأَيْضًا فَالْمَحْفُوظُ الثَّابِتُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُ ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْحَمْدُ لِلَّهِ: هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ" . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الثِّقَةَ قَدْ يَغْلَطُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ غَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ": عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْخَزَّازِ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ ، ثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ : "أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَجْهَرُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" . وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَا أَعْلَمُ فِي رُوَاتِهِ مَنْسُوبًا إِلَى الْجَرْحِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "تَنْقِيحِ الْمُسْتَدْرَكِ": هَذَا خَبَرٌ وَاهٍ كَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ مَنَاكِيرَ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَسَعِيدٌ إِنْ كَانَ الْكُرَيْزِيَّ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِلَّا فَهُوَ مَجْهُولٌ. وَعَنِ الْحَكَمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ إِلَّا أَنَّهُ أَمْثَلُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ . قُلْتُ: وَفِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ السَّعْدِيُّ : غَيْرُ ثِقَةٍ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ وَالْأَرْبَعَةُ، وَتَصْحِيحُ الْحَاكِمِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَقَدْ عُرِفَ تَسَاهُلُهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَلَعَلَّهُ أُدْخِلَ عَلَيْهِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي "سُنَنِهِ": عَنْ أُسَيْدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ نَحْوَهُ، وَعَمْرُو بْنُ شِمْرٍ وَجَابِرُ الْجُعْفِيَّانِ كِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، لَكِنَّ عَمْرًا أَضْعَفُ مِنْ جَابِرٍ ، قَالَ الْحَاكِمُ : عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ كَثِيرُ الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْجَوْزَجَانِيُّ : عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ زَائِغٌ كَذَّابٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْأَزْدِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ رَافِضِيًّا يَسُبُّ الصَّحَابَةَ وَكَانَ يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ لَا يَحِلُّ كَتْبُ حَدِيثِهِ إِلَّا عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ. وَأَمَّا جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، مَا أَتَيْتُهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ رَأْيِي إِلَّا أَتَانِي فِيهِ بِأَثَرٍ. وَكَذَّبَهُ أَيْضًا أَيُّوبُ وَزَائِدَةُ وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَالْجَوْزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا: عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي السُّورَتَيْنِ جَمِيعًا" . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ عِيسَى هَذَا وَالِدُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْمُتَّهَمِ بِوَضْعِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ : رَوَى عَنْ آبَائِهِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً، لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ": ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ ، ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ، ثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" . وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَطُّ، وَالْمُتَّهَمُ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو طَاهِرٍ الْقُرَشِيُّ ، وَقَدْ كَذَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ الْخَطِيبُ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالَ عَنْهُ فَقَالَ: ضَعِيفٌ. وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ لَيْسَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا وَقَالَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عِنْدَ الْخَطِيبِ : عَنْ عُبَادَةَ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ ، ثَنَا أَبُو يُونُسَ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيُّ ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ ، فَجَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي السُّورَتَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى قُبِضَ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَتَّى قُبِضَ، وَخَلْفَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَتَّى قُبِضَ، فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِهَا فِي السُّورَتَيْنِ، فَلَا أَدْعُ الْجَهْرَ بِهَا حَتَّى أَمُوتَ" قُلْتُ: هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ، وَعَبَادَةُ بْنُ زِيَادٍ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الشِّيعَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدٌ النَّيْسَابُورِيُّ : هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى كَذِبِهِ. وَشَيْخُهُ يُونُسُ بْنُ يَعْفُورٍ فِيهِ مَقَالٌ، ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَرْوِي عَنِ الثِّقَاتِ مَا لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الْأَثْبَاتِ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ عِنْدِي بِمَا انْفَرَدَ بِهِ. وَمُسْلِمُ بْنُ حِبَّانَ غَيْرُهُ مَعْرُوفٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا: عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَجَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" . وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بَلْ مَوْضُوعٌ، وَيَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الضَّبِّيُّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَسُكُوتُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْخَطِيبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحُفَّاظِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ رِوَايَتِهِمْ لَهُ قَبِيحٌ جِدًّا. وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ : فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْكُوفِيُّ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْحَمَّارُ ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبٍ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الطَّائِفِيُّ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَجَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْغَدَاةِ وَصَلَاةِ الْجُمْعَةِ" . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ الْمُنْكَرَةِ بَلْ هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَهِيَ: أَنَّ الْحَكَمَ لَيْسَ بَدْرِيًّا وَلَا فِي الْبَدْرِيِّينَ أَحَدٌ اسْمُهُ الْحَكَمُ بْنُ عُمَيْرٍ ، بَلْ لَا تُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ حَبِيبٍ الرَّاوِيَ عَنْهُ لَمْ يَلْقَ صَحَابِيًّا، بَلْ هُوَ مَجْهُولٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ "الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ": الْحَكَمُ بْنُ عُمَيْرٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً، لَا تُذْكَرُ سَمَاعًا وَلَا لِقَاءً، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُوسَى بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ" الْحَكَمَ بْنَ عُمَيْرٍ وَقَالَ فِي نِسْبَتِهِ الثُّمَالِيُّ: ثُمَّ رَوَى لَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مُنْكَرًا، وَكُلُّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْهُ. وَرَوَى لَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا، وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَالرَّاوِي عَنْ مُوسَى هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الصِّينِيُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ صَنْعَتَهُ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ رَوَوْا نُسْخَةَ مُوسَى عَنِ الْحَكَمِ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَدِيثَ فِيهَا، كَبَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَابْنِ عَدِيٍّ وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ - فِيمَا عَلِمْنَا - الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْخَطِيبُ ، وَوَهِمَ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبٍ . وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَتَبِعَهُ الْخَطِيبُ وَزَادَ وَهْمًا ثَانِيًا، فَقَالَ: الضَّبِّيُّ - بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - وَإِنَّمَا هُوَ الصِّينِيُّ - بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ -. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ"، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ": مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ ، قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ مِنَ الصَّلَوَاتِ مَا لَا أُحْصِيهَا: الصُّبْحَ وَالْمَغْرِبَ، فَكَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا، وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ : مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَبِي، وَقَالَ أَبِي: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَنَسٍ ، وَقَالَ أَنَسٌ : مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- . قَالَ الْحَاكِمُ : رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "مُخْتَصَرِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ": عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ " . وَ: "فِي الصَّلَاةِ "زَادَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، ثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فَكُلُّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "قَالَ الْحَاكِمُ : وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ شَاهِدًا. قُلْتُ: قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "تَنْقِيحِ الْمُسْتَدْرَكِ": أَمَا اسْتَحَى الْحَاكِمُ يُورِدُ فِي كِتَابِهِ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ؟! فَأَنَا أَشْهَدُ بِاللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لِكَذِبٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي : سَقَطَ مِنْهُ "لَا". وَرَوَى الْخَطِيبُ أَيْضًا: عَنِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمِّهِ الْعُمَرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الْفَرِيضَةِ" . وَالْجَوَابُ عَنْهُ: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي : سَقَطَ مِنْهُ "لَا" كَمَا رَوَاهُ الْبَاغَنْدِيُّ وَغَيْرُهُ: عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْجَهْرُ فَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ ابْنُ وَهْبٍ قَطُّ، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأِ": عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَكُلُّهُمْ لَا يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ" . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "التَّقَصِّي": هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْعُمَرِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، فَقَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ لَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ" . قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ مِنَ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ فِي رَفْعِهِ ذَلِكَ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مَالِكٍ ، فَصَارَ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الْخَطِيبُ خَطَأً عَلَى خَطَأٍ، وَالصَّوَابُ فِيهِ عَدَمُ الرَّفْعِ، وَعَدَمُ الْجَهْرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ": عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَثْيَمٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَبَدَأَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَاكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمِنْ كُلِّ مَكَانٍ: يَا مُعَاوِيَةُ ، أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ أَيْنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ وَأَيْنَ التَّكْبِيرُ إِذَا خَفَضْتَ وَإِذَا رَفَعْتَ؟ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا" . قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَقَدِ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ عَلَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا فِي إِثْبَاتِ الْجَهْرِ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : هُوَ أَجْوَدُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَثْيَمٍ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ لَكِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، أَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ إِلَى ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: أَحَادِيثُهُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيِّنُ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيَّنُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدِ اضْطَرَبَ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الضَّعْفِ، أَمَّا فِي إِسْنَادِهِ فَإِنَّ ابْنَ خُثَيْمٍ تَارَةً يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَتَارَةً يَرْوِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ الْأُولَى فِي "الْمَعْرِفَةِ" لِجَلَالَةِ رَاوِيهَا وَهُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَالَ الشَّافِعِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ الثَّانِيَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ خَثِيمٍ أَيْضًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ فَزَادَ ذِكْرَ الْجَدِّ، كَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَهِيَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْأُولَى، عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ . وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ: فَتَارَةً يَقُولُ: "صَلَّى فَبَدَأَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حِينَ افْتَتَحَ الْقُرْآنَ وَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ". كَمَا هُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَتَارَةً يَقُولُ: "فَلَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا". كَمَا هُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمِثْلُ هَذَا الِاضْطِرَابِ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ مِمَّا يُوجِبُ ضَعْفَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ ضَبْطِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَلَّا يَكُونَ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا، وَهَذَا شَاذٌّ مُعَلَّلٌ؛ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْ أَنَسٍ ، وَكَيْفَ يَرْوِي أَنَسٌ مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا مُحْتَجًّا بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ الْمَعْرُوفِينَ بِصُحْبَتِهِ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَرُدُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا: أَنَّ أَنَسًا كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ ، وَمُعَاوِيَةُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ أَنَّ أَنَسًا كَانَ مَعَهُ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا أَصْلًا، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: أَدْرَكْتُ الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إِلَّا بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : مَا سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقْرَأُ بِهَا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ : أَدْرَكْتُ الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إِلَّا بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا، إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَلَهُ مَحْمَلٌ، وَهَذَا عَمَلُهُمْ يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا هُوَ سُنَّتُهُمْ؟! هَذَا بَاطِلٌ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَوْ رَجَعَ إِلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا نَقَلُوهُ، لَكَانَ هَذَا مَعْرُوفًا مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلِ الشَّامِيُّونَ كُلُّهُمْ خُلَفَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ كَانَ مَذْهَبُهُمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنَ الْجَهْرِ بِهَا فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِمَامُ الشَّامِ ، وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، لَا يَقْرَأْهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَكُونَ هَذَا حَالَ مُعَاوِيَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَلَوْ سَمِعَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَا تَرَكَهَا حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ رَعِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَنْ تَدَبَّرَهَا عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بَاطِلٌ، وَمُغَيَّرٌ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَدْ يُتَمَحَّلُ فِيهِ، وَيُقَالُ: إِنْ كَانَ هَذَا الْإِنْكَارُ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَحْفُوظًا فَإِنَّمَا هُوَ إِنْكَارٌ لِتَرْكِ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ لَا لِتَرْكِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَرْكَ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ كَانَ مَذْهَبَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَأُمَرَائِهِمْ عَلَى الْبِلَادِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ مَذْهَبَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْبِيرِ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَحِينَ يَسْجُدُ بَعْدَ الْقُعُودِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ تَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْضًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا صَرِيحٌ صَحِيحٌ، بَلْ فِيهَا عَدَمُهُمَا أَوْ عَدَمُ أَحَدِهِمَا، وَكَيْفَ تَكُونُ صَحِيحَةً وَلَيْسَتْ مُخَرَّجَةً فِي الصَّحِيحِ وَلَا الْمَسَانِيدِ وَلَا السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ؟! وَفِي رُوَاتِهَا الْكَذَّابُونَ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَجَاهِيلُ الَّذِينَ لَا يُوجَدُونَ فِي التَّوَارِيخِ وَلَا فِي كُتُبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، كَعَمْرِو بْنِ شِمْرٍ ، وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، وَحُصَيْنِ بْنِ مُخَارِقٍ وَعُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمَكِّيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَّانَ الْوَاقِعِيِّ ، وَأَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ ، [ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، وَابْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ] الْمُلَقَّبِ بِجِرَابِ الْكَذِبِ ، وَعُمَرَ بْنِ هَارُونَ الْبَلْخِيِّ ، وَعِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدَنِيِّ وَآخَرِينَ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِمَا": مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ الَّذِي كَانَ أَحْفَظَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَيَرْوِيهِ عَنْهُ شُعْبَةُ الْمُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَتَلَّقَاهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَحَدٌ بِحُجَّةٍ إِلَّا مَنْ رَكِبَ هَوَاهُ، وَحَمَلَهُ فَرْطُ التَّعَصُّبِ عَلَى أَنْ عَلَّلَهُ بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً، بَلْ بَعْضُهَا يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَعَارَضَهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَوْضُوعِ أَوْ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ الضَّعِيفِ، وَمَتَى وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى مِثْلِ هَذَا فَجَعَلَ الصَّحِيحَ ضَعِيفًا، وَالضَّعِيفَ صَحِيحًا، وَالْمُعَلَّلَ سَالِمًا مِنَ التَّعْلِيلِ، وَالسَّالِمَ مُعَلَّلًا؛ سَقَطَ الْكَلَامُ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَاللَّهُ أَمَرَ بِالْعَدْلِ، وَلَكِنْ كُلُّ هَذَا مِنَ التَّعَصُّبِ الْفَاسِدِ وَالْغَرَضِ الْكَاسِدِ، وَهَذَا تَمْشِيَةٌ لِلْبَاطِلِ، وَاللَّهُ يُحِقُّ الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ، وَيَكْفِينَا فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ إِعْرَاضُ أَصْحَابِ الْجَوَامِعِ الصَّحِيحَةِ وَالسُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْمَسَانِيدِ الْمَشْهُورَةِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا فِي الْعِلْمِ وَمَسَائِلِ الدِّينِ، وَالْبُخَارِيُّ مَعَ شِدَّةِ تَعَصُّبِهِ وَفَرْطِ تَحَمُّلِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَمْ يُودِعْ صَحِيحَهُ مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا، فَاللَّهُ تَعَالَى يَدْرِي وَيَعْلَمُ مَا جَهِدَ وَتَعِبَ فِي تَحْصِيلِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ فِي الْجَهْرِ حَتَّى يُخْرِجَهُ فِي "صَحِيحِهِ" فَمَا ظَفِرَ بِهِ وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ مَا تَرَكَهُ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ مُسْلِمٌ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرَا فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ أَنَسٍ الدَّالَّ عَلَى الْإِخْفَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا أَنْ يُودِعَا فِي صَحِيحِهِمَا كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَيَكُونَانِ قَدْ تَرَكَا أَحَادِيثَ الْجَهْرِ فِي جُمْلَةِ مَا تَرَكَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. قُلْتُ: هَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا كُلُّ سَخِيفٍ أَوْ مُكَابِرٍ؛ فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ أَعْلَامِ الْمَسَائِلِ وَمُعْضِلَاتِ الْفِقْهِ، وَمِنْ أَكْثَرِهَا دَوَرَانًا فِي الْمُنَاظَرَةِ وَجَوَلَانًا فِي الْمُصَنَّفَاتِ، وَالْبُخَارِيُّ كَثِيرًا مَا يَتَتَبَّعُ لِمَا يُرَدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ السُّنَّةِ فَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ يُعَرِّضُ بِذِكْرِهِ فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَقُولُ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ كَذَا وَكَذَا، يُشِيرُ بِهِ إِلَيْهِ، وَيُشَنِّعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يُخْلِي كِتَابَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ يَسُوقُ أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَيَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَهُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ. مَعَ غُمُوضِ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ؟! وَمَسْأَلَةُ الْجَهْرِ يَعْرِفُهَا عَوَامُّ النَّاسِ وَرُعَاعُهُمْ، وَلَوْ حَلَفَ الشَّخْصُ بِاللَّهِ أَيْمَانًا مُؤَكَّدَةً، إِنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى حَدِيثٍ مِنْهَا مُوَافِقٍ لِشَرْطِهِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ شَرْطِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ كِتَابُهُ، وَلَا كَذَلِكَ مُسْلِمٌ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَهَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَعَ اشْتِمَالِ كُتُبِهِمْ عَلَى الْأَحَادِيثِ السَّقِيمَةِ وَالْأَسَانِيدِ الضَّعِيفَةِ لَمْ يُخَرِّجُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَلَوْلَا أَنَّهَا عِنْدَهُمْ وَاهِيَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَمَا تَرَكُوهَا. وَقَدْ تَفَرَّدَ النَّسَائِيُّ مِنْهَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاهُ نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ ، وَهُوَ أَقْوَى مَا فِيهَا عِنْدَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ مِنْ وُجُوهٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: أَحَادِيثُ الْجَهْرِ تُقَدَّمُ عَلَى أَحَادِيثِ الْإِخْفَاءِ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا: كَثْرَةُ الرَّاوِينَ فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْإِخْفَاءِ رَوَاهَا اثْنَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ رَوَاهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا. وَمِنْهَا: أَنَّ أَحَادِيثَ الْإِخْفَاءِ شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ، وَأَحَادِيثَ الْجَهْرِ شَهَادَةٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَنَسًا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ إِنْكَارُ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ. فَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُ أَوْ مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ قَبْلَكَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى كَثْرَةِ الرُّوَاةِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ صِحَّةِ الدَّلِيلَيْنِ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ لَيْسَ فِيهَا صَحِيحٌ صَرِيحٌ، بِخِلَافِ حَدِيثِ الْإِخْفَاءِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ صَرِيحٌ ثَابِتٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَرَوْنَ التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ وَإِنْ كَثُرَتْ رُوَاتُهَا لَكِنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ كَثُرَتْ رُوَاتُهُ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، كَحَدِيثِ الطَّيْرِ وَحَدِيثِ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" وَحَدِيثِ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ" بَلْ قَدْ لَا يَزِيدُ الْحَدِيثَ كَثْرَةُ الطُّرُقِ إِلَّا ضَعْفًا، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ لَمْ يَرْوِهَا إِلَّا الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، فَالْحَاكِمُ عُرِفَ تَسَاهُلُهُ وَتَصْحِيحُهُ لِلْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ بَلِ الْمَوْضُوعَةِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ قَدْ مَلَأَ كِتَابَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْغَرِيبَةِ وَالشَّاذَّةِ وَالْمُعَلَّلَةِ، وَكَمْ فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ لَمَّا دَخَلَ مِصْرَ سَأَلَهُ بَعْضُ أَهْلِهَا تَصْنِيفَ شَيْءٍ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، فَصَنَّفَ فِيهِ جُزْءًا، فَأَتَاهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: كُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الْجَهْرِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَمَّا عَنِ الصَّحَابَةِ فَمِنْهُ صَحِيحٌ وَمِنْهُ ضَعِيفٌ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي صُورَةِ النَّفْيِ فَمَعْنَاهَا الْإِثْبَاتُ، عَلَى أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَقْدِيمِ الْإِثْبَاتِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُمَا سَوَاءٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ النَّافِي مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُثْبَتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ إِنْكَارِ أَنَسٍ لَا يُقَاوِمُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ خِلَافُهُ فِي الصَّحِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- نَسِيَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِكِبَرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا كَمَا سُئِلَ يَوْمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالْحَسَنِ فَاسْأَلُوهُ؛ فَإِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا" وَكَمْ مِمَّنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذِكْرِهَا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا، لَا عَنِ الْجَهْرِ بِهَا وَإِخْفَائِهَا. فَإِنْ قِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ يَكُونَ أَنَسٌ لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا يَوْمَئِذٍ. قُلْتُ: هَذَا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَلْأَنَسٍ يَوْمَئِذٍ عَشْرُ سِنِينَ، وَمَاتَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ عَشْرَ سِنِينَ فَلَا يَسْمَعُهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ يَجْهَرُ؟! هَذَا بَعِيدٌ، بَلْ مُسْتَحِيلٌ، ثُمَّ قَدْ رَوَى هَذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَكَيْفَ وَهُوَ رَجُلٌ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَهْلٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ، مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي زَمَانِهِمْ وَرِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ" . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الْخُلَاصَةِ": إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ . وَقَدْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ مَنْسُوخَةٌ لِمَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية