الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 1639 (3) بَابٌ الْأَمْرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَعَمَّنْ تُخْرَجُ ، وَمِمَّاذَا تُخْرَجُ ، وَمَتَى تُخْرَجُ ؟ [ 853 ] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، أَوْ رَجُلٍ ، أَوِ امْرَأَةٍ ; صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ; عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَوَاهُ أَحْمَدُ (3 \ 63)، وَالْبُخَارِيُّ (1504)، وَمُسْلِمٌ (984)، وَأَبُو دَاوُدَ (1611)، وَالتِّرْمِذِيُّ (676)، وَالنَّسَائِيُّ (5 \ 48)، وَابْنُ مَاجَهْ (1826) . المفهم (3) وَمِنْ بَابٌ: الْأَمْرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَوْلُهُ : " فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ " ; جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ ; مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ: " فَرَضَ " فَإِنَّ عُرْفَهُ الشَّرْعِيَّ أَوْجَبَ . وَبِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتُوا الزَّكَاةَ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَرَأَوْا أَنَّ : " فَرَضَ " بِمَعْنَى : " قَدَّرَ " ، وَهُوَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَمْ يَرَوْهَا دَاخِلَةً فِي عُمُومِ مَا ذَكَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ ; عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ . وَقَوْلُهُ : " زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ " ; إِشَارَةٌ إِلَى وَقْتِ وُجُوبِهَا . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ : فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ . وَقِيلَ عَنْهُمَا : بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ . وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا : إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ : أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَضَافَ هَذِهِ الزَّكَاةَ لِلْفِطْرِ ، وَهَلْ هُوَ الْفِطْرُ الْمُعْتَادُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ ؟ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مِنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ ، أَوِ الْفِطْرُ الْمُعْتَادُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ؟ فَيَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ . أَوِ الْمُرَادُ أَوَّلُ الْفِطْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَوْمَ الْفِطْرِ ؟ فَيَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : مَعْنَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ ; أَيْ : صَدَقَةُ النُّفُوسِ ، وَالْفِطْرَةُ : أَصْلُ الْخِلْقَةِ ، وَهَذَا بِعِيدٌ ، بَلْ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ : " صَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ " ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَقَوْلُهُ : " عَلَى كُلِّ نَفْسٍ " ; يَقْتَضِي عُمُومَ النُّفُوسِ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ . خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِي قَوْلِهِمْ : لَا تَلْزَمُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ يَوْمَ الْفِطْرِ بِقَدْرِهَا . وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ: الْحَاضِرُ وَالْبَادِي ، خِلَافًا لِلَيْثٍ ، وَرَبِيعَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ فِي قَصْرِ وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْحَوَاضِرِ وَالْقُرَى ، دُونَ أَهْلِ الْعَمُودِ وَالْخُصُوصِ . وَقَوْلُهُ : " مِنَ الْمُسْلِمِينَ " ; دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ : إِلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ عَنِ الْعَبِيدِ الْكُفَّارِ . وَقَدْ تَأَوَّلَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ : " مِنَ الْمُسْلِمِينَ " : أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى السَّادَةِ الْمُخْرِجِينَ . وَهَذَا لَا يَقْتَضِيهِ مَسَاقُ الْحَدِيثِ ، فَتَأَمَّلْهُ . قُلْتُ : وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ فِيهِ إِلَى بَيَانِ مِقْدَارِهَا ، وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِبَيَانِ مَنْ يُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ مِمَّنْ يُخْرِجُهَا عَنْ غَيْرِهِ ، بَلْ شَمَلَ الْجَمِيعَ ; إِذْ قَدْ ذَكَرَ فِيهِمُ الْعَبْدَ وَالصَّغِيرَ . فَأَمَّا الصَّغِيرُ : فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا تَخْرُجُ بِسَبَبِهِ ; أَنَّ وَلَيَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَاطَبُ بِإِخْرَاجِهَا ; إِذِ الصَّبِيُّ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ بَعْدُ قَلَمُ التَّكْلِيفِ . وَأَمَّا الْعَبْدُ : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ . وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَسَيِّدُهُ قَادِرٌ عَلَى انْتِزَاعِهِ ، خِلَافًا لِدَاوُدَ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى الْعَبْدِ ; تَمَسُّكًا بِلَفْظِ الْعَبْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ هَذَا . وَقَالَ : عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَتْرُكَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ فَيَكْتَسِبَ ذَلِكَ الْقَدْرَ ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ . ثُمَّ إِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَهَلْ يُخَاطَبُ سَيِّدُهُ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ أَمْ لَا ؟ جُمْهُورُهُمْ أَيْضًا: عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَمَؤُونَتُهُ ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَنِ ، فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ بِإِخْرَاجِهَا الْمُكَلَّفُ الْوَاجِدُ لَهَا حِينَ الْوُجُوبِ ; عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، مِمَّنْ تَمُونُونَ . وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ : صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، وَحُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ، فَصَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطَبُونَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ غَيْرِهِمْ ; وَذَلِكَ الْغَيْرُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ بِالْإِخْرَاجِ مُلَابَسَةٌ ، وَتِلْكَ الْمُلَابَسَةُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مِثْلَ الْمُلَابَسَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَوَلِيِّهِ ، وَالْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ ، وَهِيَ الْقِيَامُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْمُؤَنِ . وَأَمَّا إِخْرَاجُهَا عَنِ الزَّوْجَةِ ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إِخْرَاجُهَا عَنْ زَوْجَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهَا هِيَ أَنْ تُخْرِجَهَا عَنْ نَفْسِهَا ، وَسَبَبُهُ مَا تَقَدَّمَ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية