الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              1909 [ 996 ] وعن حميد بن عبد الرحمن ، أنه سمع معاوية خطبهم بالمدينة في قدمة قدمها يوم عاشوراء فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة ؟ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم ، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ، ومن أحب أن يفطر فليفطر .

                                                                                              رواه أحمد (4 \ 95)، والبخاري (2003)، ومسلم (1129) .

                                                                                              [ ص: 190 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 190 ] (14) ومن باب: صيام عاشوراء

                                                                                              وزنه : فاعولاء ، والهمزة . فيه للتأنيث ، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم ، وهو في الأصل : صفة لليلة العاشرة ; لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم للعقد الأول . واليوم مضاف إليها ، فإذا قلت : يوم عاشوراء . فكأنك قلت : يوم الليلة العاشرة . إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية . فاستغنوا عن الموصوف ، فحذفوا الليلة ، وعلى هذا : فيوم عاشوراء هو العاشر ; قاله الخليل وغيره . وقيل : هو التاسع .

                                                                                              وسمي : عاشوراء على عادة العرب في الإظماء . وذلك أنهم : إذا وردوا الماء لتسعة سموه : عشرا ; وذلك أنهم : يحسبون في الإظماء يوم الورود ، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين ، ثم وردت في الثالث قالوا : وردت ربعا . وإذا وردت في الرابع قالوا : وردت خمسا ; لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي ترد فيه بعده . وهذا فيه بعد ; إذ لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء ، فتأمله .

                                                                                              وعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السلف . وذهب قوم : إلى أنه التاسع . وبه قال الشافعي متمسكا بما ذكر في الإظماء ، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله .

                                                                                              وذهب جماعة من السلف : إلى الجمع بين صيام التاسع والعاشر . وبه قال الشافعي في قوله الآخر ، وأحمد ، وإسحاق . وهو قول من أشكل عليه التعيين ، فجمع بين الأمرين احتياطا .

                                                                                              وقول عائشة -رضي الله عنها- : ( كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية ) ; يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية والقدر ، [ ص: 191 ] ولعلهم كانوا يستندون في صومه : إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما ; فإنهم كانوا ينتسبون إليهما ، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما .

                                                                                              وصوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه ، كما وافقهم على أن حج معهم على ما كانوا يحجون: أعني : حجته الأولى التي حجها قبل هجرته ، وقبل فرض الحج ; إذ كل ذلك فعل خير .

                                                                                              ويمكن أن يقال : أذن الله تعالى له في صيامه ، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه ، فسألهم عن الحامل لهم على صومه ؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس : إنه يوم عظيم ، أنجى الله فيه موسى وقومه ، وغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكرا ، فنحن نصومه . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) ; فحينئذ صامه بالمدينة ، وأمر بصيامه . أي : أوجب صيامه ، وأكد أمره ; حتى كانوا يصومون الصغار ، فالتزمه - صلى الله عليه وسلم - وألزمه أصحابه إلى أن فرض شهر رمضان ، ونسخ وجوب صوم يوم عاشوراء ، فقال إذ ذاك : (إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم) ، ثم خير في صومه وفطره ، وأبقى عليه الفضيلة بقوله : ( وأنا صائم ) ، كما جاء في حديث [ ص: 192 ] معاوية .

                                                                                              وعلى هذا : فلم يصم النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء اقتداء باليهود ; فإنه كان يصومه قبل قدومه عليهم ، وقبل علمه بحالهم ، لكن الذي حدث له عند ذلك إلزامه والتزامه استئلافا لليهود ، واستدراجا لهم ، كما كانت الحكمة في استقباله قبلتهم ، وكان هذا الوقت هو الوقت الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه .

                                                                                              وقول معاوية لأهل المدينة : ( أين علماؤكم ؟ ) إنما خص العلماء بالنداء ليلقنوا عنه ، وليصدقوه ; إذ قد كان علم ذلك عند كثير منهم ، وذلك لأنهم أعلم بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله من غيرهم . وسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود عن يوم [ ص: 193 ] عاشوراء إنما كان ليستكشف السبب الحامل لهم على الصوم ، فلما علم ذلك قال لهم كلمة حق تقتضي تأنيسهم واستجلابهم ، وهي : ( نحن أحق وأولى بموسى منكم ) ; ووجه هذه الأولوية : أنه علم من حال موسى وعظيم منزلته عند الله ، وصحة رسالته وشريعته ، ما لم يعلموه هم ، ولا أحد منهم .




                                                                                              الخدمات العلمية