الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3295 (7) باب

                                                                                              للإمام أن يخص القاتل بالسلب

                                                                                              [ 1269 ] عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام حنين ، فلما التقينا ، كانت للمسلمين جولة ، قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين ، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه ، فضربته على حبل عاتقه ، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله ، ثم إن الناس رجعوا ، وجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: من قتل قتيلا له عليه بينة ، فله سلبه. قال: فقمت ، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست ، ثم قال مثل ذلك ، فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست ، ثم قال ذلك الثالثة ، فقمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا قتادة؟. فقصصت عليه القصة . فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي ، فأرضه من حقه يا رسول الله ! وقال أبو بكر الصديق: لا ها الله إذا ، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق فأعطه إياه. فأعطاني ، قال: فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .

                                                                                              وفي رواية : فقال أبو بكر: كلا لا نعطيه ، أضيبع من قريش وندع أسدا من أسد الله؟


                                                                                              رواه أحمد (5 \ 306) والبخاري (2100)، ومسلم (1751)، وأبو داود (2717)، والترمذي (1562)، وابن ماجه (2837).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              (7) ومن باب: للإمام أن يخص القاتل بالسلب

                                                                                              ( الجولة ) : الاضطراب . ويعني به : انهزام المنهزمة يوم حنين على ما يأتي .

                                                                                              و ( حبل العاتق ) : هو موصل ما بين العنق والكاهل . وقيل : هو حبل الوريد . والوريد : عرق بين الحلقوم والعلباوين .

                                                                                              وقوله : ( فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت ) ; أي : ضمة شديدة أشرف [ ص: 541 ] بسببها على الموت . وهي استعارة حسنة . وأصلها : أن من قرب من الشيء وجد ريحه .

                                                                                              وقوله : ( وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) ; دليل : على أن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - كان بعد أن برد القتال ، وأما قبل القتال فيكره مالك للإمام أن يقول مثل ذلك ; لئلا تفسد نية المجاهدين . وهل قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك القول مقعدا لقاعدة تمليك السلب للقاتل ، ومبينا لحكم الله تعالى في ذلك دائما ، وفي كل واقعة ؟ وإليه صار الليث ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والطبري ، والثوري ، وأبو ثور ، قالوا : السلب للقاتل ، قاله الإمام أو لم يقله ، غير أن الشافعي -رحمه الله- اشترط في ذلك : أن يقتله مقبلا . واشترط الأوزاعي أن يكون ذلك قبل التحام الحرب .

                                                                                              أو قاله - صلى الله عليه وسلم - على جهة أن يبين : أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه مصلحة ؟ وإلى هذا ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، فقالا : إن السلب ليس بحق للقاتل ، وإنه من الغنيمة إلا أن يجعل الأمير ذلك له .

                                                                                              فأما الطائفة الأولى : فتمسكت بظاهر الحديث المتقدم ، وقصر الشافعي عموم قوله : ( من قتل قتيلا ) على نحو ما وقع لأبي قتادة ; فإنه قتل الكافر مقبلا ، ولذلك ضمه الضمة الشديدة ، وليس للأوزاعي على ما اشترط حجة من الحديث ، بل هو حجة عليه ; فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك بعد فراغ القتال .

                                                                                              وأما الطائفة الثانية : فإنهم ردوا ظاهر ذلك الحديث لما يعارضه ، وهو قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [الأنفال: 41] فأضاف أربعة [ ص: 542 ] أخماس الغنيمة للغانمين ، ولا يصلح قوله : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) للتخصيص ، للاحتمال الذي أبديناه . ومما تمسكوا به قضية أبي جهل الآتية بعد هذا ، وذلك : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لابني عفراء : (كلاكما قتله) ، ثم قضى بسلبه لأحدهما ، وهي نص في المقصود ، لا يقال : إن قضية أبي جهل متقدمة وقضية أبي قتادة متأخرة ، فتكون ناسخة ; لأنا لا نسلم التعارض لإمكان الجمع بين القضيتين ; لأن ذلك رأي رآه فيهما ، فاختلف الحال بحسب اختلاف الاجتهاد . والله تعالى أعلم .

                                                                                              ومما يعتضد به هؤلاء : أنه لو كان قوله : من قتل قتيلا فله سلبه ) مقعدا للقاعدة ، ومبينا لها ; لكان ذلك أمرا معمولا به عند الصحابة ، وخصوصا الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، فإنهم كانوا حضورا في ذلك الموطن ، وقد انقرضت أعصارهم ، ولم يحكموا : بأن السلب للقاتل مطلقا ، على ما حكاه ابن أبي زيد في "مختصره". هذا مع كثرة وقائعهم في العدو ، وغنائمهم ، وعموم الحاجة إلى ذلك . فلما لم يكن ذلك كذلك ; صح أن يقال : إن ذلك موكول لرأي الإمام . والله تعالى أعلم .

                                                                                              تفريع : لا شك في أن من كان مذهبه : أن السلب للقاتل : أنه لا يخمسه ، وإنما يملكه بنفس القتل المشهود عليه ، وأما من صار إلى : أن ذلك للإمام يرى فيه رأيه ، فاختلفوا ; هل يخمس أو لا يخمس ؟ فقال مالك ، والأوزاعي ، ومكحول : يخمس . وقاله إسحاق إذا كثر . ونحوه عن عمر ، وحكى ابن خواز منداذ عن مالك : أن الإمام مخير في ذلك كله. قاله القاضي إسماعيل .

                                                                                              ثم اختلفوا في السلب الذي يستحقه القاتل . فذهب الأوزاعي ، وابن حبيب من أصحابنا إلى أنه فرسه الذي ركبه ، وكل شيء كان عليه من لبوس ، وسلاح ، وآلة ، وحلية له ولفرسه . غير أن ابن حبيب قال : إن المنطقة التي فيها دنانير [ ص: 543 ] ودراهم نفقة داخلة في السلب . ولم ير ذلك الأوزاعي . وقد عمل بقولهما جماعة من الصحابة . ونحوه مذهب الشافعي ، غير أنه تردد في السوارين ، والحلية ، وما في معناهما من غير حلية الحرب .

                                                                                              وذهب ابن عباس إلى أنه : الفرس ، والسلاح ، وهو معنى مذهب مالك . وشذ أحمد ، فلم ير الفرس من السلب ، ووقــف في السيف . وللشافعي قولان فيما وجد في عسكر العدو من أموال المقتول ; هل هو من سلبه أم لا ؟ والصحيح : العموم فيما كان معه ، تمسكا بالعموم . والله تعالى أعلم .

                                                                                              وقوله : ( له عليه بينة ) ; قال بظاهره الليث ، والشافعي ، وبعض أصحاب الحديث ، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبينة ، أو بشاهد ويمين. وقال الأوزاعي والليث : ليست البينة شرطا في الاستحقاق ، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة ، وإن لم يتفق كان للقاتل بغير بينة ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ، ولا يمين . ولا يكفي شهادة واحد ، ولا يناط بها حكم بمجردها ، لا يقال : إنما أعطاه إياه بشهادة الذي هو في يده ، وشهادة أبي بكر ; لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يقم شهادة لأبي قتادة ، وإنما منع أن يدفع السلب للذي ذكر أنه في يده ، ويمنع منه أبو قتادة . ويخرج على أصول المالكية في هذه المسألة ، ومن قال بقولها : أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة ; لأنه من الإمام ابتداء عطية . فإن شرط فيه الشهادة كان له ، وإن لم يشترط ، جاز أن يعطيه من غير شهادة . والله تعالى أعلم .

                                                                                              [ ص: 544 ] وقوله : ( فأرضه من حقه يا رسول الله !) أي : أعطه ما يرضى به بدلا من حقه في السلب . فكأنه سأل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتركه له ، ويعطي أبا قتادة من غيره ما يرضى به .

                                                                                              وقول أبي بكر : ( لا ها الله إذا ) ; الرواية هكذا (إذا) بالتنوين . قال الخطابي : والصواب فيه : (لا ها الله ذا) بغير ألف قبل الذال . ومعناه في كلامهم : لا والله . يجعلون (الها) مكان (الواو) . والمعنى : لا والله لا يكون ذا . قال المازري : معناه : ذا يميني ، وذا قسمي . وقال أبو زيد : (ذا) صلة في الكلام .

                                                                                              وقوله : ( فبعت الدرع ، فاشتريت به مخرفا ) ، قال القاضي أبو الفضل : رويناه بفتح الميم ، وكسرها . فمن كسره جعله مثل : مربد . ومن فتح جعله مثل : مضرب .

                                                                                              والمخرف : البستان الذي تخترف ثماره ; أي : تجتنى. فأما المخرف - بكسر الميم - فهو : الوعاء الذي يجمع فيه ما يخترف .

                                                                                              و (تأثلت المال) : تملكته ، فجعلته أصل مالي . وأثلة كل شيء : أصله.

                                                                                              وقوله : ( كلا ، لا نعطيه أضيبع من قريش ) ; كلا : ردع ، وزجر. وقد تكون بمعنى : لا ; كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام : كلا [ ص: 545 ] في جواب قولهم : إنا لمدركون [الشعراء: 61] وقد يكون استفتاحا بمعنى : ألا ; كما قيل في قوله تعالى : كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين [المطففين: 18] و (أضيبع) روايتنا فيه - وهي المشهورة - بالضاد المعجمة ، والعين المهملة ; وهو تصغير ضبع على غير القياس . فكأنه لما وصف الآخر بالأسدية ، صغر هذا بالنسبة إليه ، وشبهه بالضبع تصغيرا له. ورواه السمرقندي : (أصيبغ) بالصاد المهملة ، والغين المعجمة ، فقيل : كأنه حقره ، وذمه لسواد لونه . وقال الخطابي : الأصيبغ نوع من الطير . قال : ويجوز أن يشبهه بنبات صغير ، يقال له : الصبغاء ، أول ما تطلع من الأرض فيكون ما يلي الشمس منه أصفر . وقال الهروي بمعناه.

                                                                                              ومبادرة أبي بكر بالفتيا والردع والنهي بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، وتصديقه على قوله ، شرف عظيم ، وخصوصية لأبي بكر رضي الله عنه ليس لأحد من الصحابة مثلها ، هذا مع أنه قد كان عدد من الصحابة نحو الأربعة عشر يفتون في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يعلم بهم ، ويقرهم ، لكن لم يسمع عن أحد منهم أنه أفتى بحضرته ، ولا صدر عنه شيء مما صدر عن أبي بكر في هذه القضية.

                                                                                              وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل .




                                                                                              الخدمات العلمية