الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              2451 [ 1234 ] وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه : هلم إلى الرخاء ! هلم إلى الرخاء ! والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ،......... ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث ، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد .

                                                                                              رواه أحمد ( 2 \ 439 )، ومسلم (1381).

                                                                                              [ ص: 496 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 496 ] وقوله " يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه : هلم إلى الرخاء ! " ، هذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما ذكر ، وكان ذلك من أدلة نبوته ، وعنى بذلك أن الأمصار تفتح على المسلمين فتكثر الخيرات وتترادف عليهم الفتوحات ، كما قد اتفق عند فتحالشام والعراق والديار المصرية وغير ذلك ، فركن كثير ممن خرج من الحجاز وبلاد العرب إلى ما وجدوا من الخصب والدعة بتلك البلاد المفتوحة فاتخذوها دارا ودعوا إليهم من كان بالمدينة لشدة العيش بها وضيق الحال ، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " ، وهي خير من حيث تعذر الترفه فيها وعدم الإقبال على الدنيا بها وملازمة ذلك المحل الشريف ومجاورة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ; ففي حياته - صلى الله عليه وسلم - صحبته ورؤية وجهه الكريم ، وبعد وفاته مجاورة جدثه الشريف ومشاهدة آثاره المعظمة ، فطوبى لمن ظفر بشيء من ذلك ، وأحسن الله عزاء من لم ينل شيئا مما هنالك .

                                                                                              وقوله " لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه " ; يعني أن [ ص: 497 ] الذي يخرج من المدينة راغبا عنها - أي زاهدا فيها - إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل المقام فيها أو كافر بذلك ، وكل واحد من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال ، وقد قضى الله تعالى بأن مكة والمدينة لا تخلوان من أهل العلم والفضل والدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فهم الخلف ممن خرج رغبة عنها .

                                                                                              وقوله " إن المدينة كالكير تخرج الخبث " ، هذا تشبيه واقع ; لأن الكير لشدة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرماد ، حتى لا يبقى إلا خالص الجمر والنار ، هذا إن أراد بالكير النفخ الذي تنفخ به النار ، وإن أراد به الموضع المشتمل على النار وهو المعروف عند أهل اللغة فيكون معناه أن ذلك الموضع لشدة حرارته ينزع خبث الحديد والذهب والفضة ، ويخرج خلاصة ذلك ، والمدينة كذلك لما فيها من شدة العيش وضيق الحال تخلص النفس من شهواتها وشرهها وميلها إلى اللذات والمستحسنات ، فتتزكى النفس عن أدرانها وتبقى خلاصتها ، فيظهر سر جوهرها وتعم بركاتها ، ولذلك قال في الرواية الأخرى " تنفي خبثها وينصع طيبها " .




                                                                                              الخدمات العلمية