الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              1829 [ 961 ] وعن ابن عمر ، قال: كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مؤذنان: بلال ، وابن أم مكتوم الأعمى ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا .

                                                                                              رواه أحمد (2 \ 107)، ومسلم (1092) (38)، والترمذي (203)، والنسائي (2 \ 10) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقوله : ( إن بلالا ينادي بليل ) ; هذا النداء هو أذان الفجر عند الجمهور . وحكمته عندهم : الهبوب من النوم ، والتأهب لصلاة الصبح . واختصت الصبح بذلك ; لأن الأفضل فيها إيقاعها في أول وقتها مطلقا ، فيلزم من المحافظة على إيقاعها في أول وقتها التأهب لها قبل وقتها ، وقبلها نوم الليل المستصحب ، فاقتضى مجموع ذلك أن ينصب من يوقظ الناس قبل وقتها ، فكان ذلك بالأذان .

                                                                                              وذهب أبو حنيفة والثوري : إلى أن هذا الأذان إنما فائدته ما نص عليه في الحديث الآخر : ( ليوقظ نائمكم ، ويرجع قائمكم ) ، والإعلام بوقت السحور لا يكتفى به للفجر ، بل لا بد من أذان آخر إذا طلع الفجر ، كما كان يؤذن ابن أم مكتوم . ومتمسكهما من حديث بلال وابن أم مكتوم واضح ، غير أن العمل المنقول بالمدينة على تقديم أذان الفجر قبله .

                                                                                              ثم اختلف الجمهور في الوقت الذي يؤذن فيه للفجر : فأكثرهم قال : السدس الأخير من الليل . وقيل : النصف . وقيل : بعد خروج وقت العشاء الآخرة . وهذه الأقاويل الثلاثة في مذهبنا .

                                                                                              وقوله : ( ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا ) . وفي " البخاري " من حديث عائشة -رضي الله عنها- ، عن ابن أم مكتوم : فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ، وقال فيه : قال القاسم : ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا .

                                                                                              وفي " الموطأ " : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا يؤذن حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت . ومثله في " البخاري " أيضا .

                                                                                              [ ص: 151 ] قلت : وقد أشكل قول القاسم مع مساق حديث بلال وابن أم مكتوم ; وذلك : أن حديث بلال يقتضي : أن بين وقت أذانه وطلوع الفجر زمانا طويلا يتسع لصلاة الليل وللسحور ، وأذان ابن أم مكتوم يقتضي : أنه كان لا يؤذن حتى يطلع الفجر ، ثم قال القاسم : لم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا ، وينزل ذا . وهذا الوقت لا يتسع لشيء من الصلاة ، ولا من السحور ، فتناقضا . وقد انفصل عنه من وجهين :

                                                                                              أحدهما : أن هذا كان من بلال في بعض الأوقات ، لا في غالبها ، بل كان غالب أحواله : أن يوسع بين أذانه وبين طلوع الفجر . وقد روي : أنه أذن عند طلوع الفجر .

                                                                                              وثانيهما - وهو الأشبه - : أن بلالا كان يؤذن قبل طلوع الفجر ، فيجلس في موضع أذانه يذكر الله ويدعو حتى ينظر إلى تباشير الفجر ومقدماته ، فينزل ، فيعلم ابن أم مكتوم بالفجر ، ولعله هو الذي كان يقول له : أصبحت ، أصبحت ; أي : قاربت الصباح . وعند ذلك يرقى ابن أم مكتوم ، فيؤذن ، والله تعالى أعلم .

                                                                                              فقول القاسم في رواية البخاري : (بين أذانهما) ; معناه : بينهما ، كما قال في حديث ابن عمر : (ولم يكن بينهما) ; أي : لم يكن بين نزول بلال وصعود ابن أم مكتوم طويل زمن ، بل بنفس ما ينزل أحدهما يصعد الآخر من غير تراخ ، والله تعالى أعلم .

                                                                                              وقوله : ( إن بلالا ينادي بليل ) ; دليل على أن ما بعد الفجر لا يقال عليه ليل ، بل هو أول اليوم المأمور بصومه .

                                                                                              وقوله : ( حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ; أي : حتى يشرع في الأذان ، وهذا [ ص: 152 ] ظاهره . ويحتمل : حتى يفرغ من الأذان . ويؤيد هذا الاحتمال : ما ذكره أبو داود من حديث أبي هريرة الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) . وهذا هو أذان ابن أم مكتوم ، فإنه مشعر بأن هذا إنما يفعل عند ضيق الوقت ، ولا يصح أن يرد إلى حديث ابن عمر ; لأن ذلك صرح فيه بالتراخي والتوسعة تقتضي أكثر من هذا الوقت ، وعلى هذا : فيكون قوله في أذان ابن أم مكتوم : (حتى يطلع الفجر) ; أي : يقارب . وكذلك (أصبحت) ; أي : قاربت الدخول في الصباح . وهذا التأويل على ما قررناه في حد الصوم : من أن الواجب إمساك جميع أجزاء اليوم ، وحالة : طلوع الفجر من اليوم ، فلا بد من إمساكها ، ويلزم من إمساكها : إمساك جزء من الليل حتى يأمن من الأكل فيما هو جزء من اليوم ، وعلى هذا فأول التبين هو المحرم بنفسه ، لكن اختلف في هذا التبين بالنسبة إلى ماذا يكون : فذهب الجمهور وفقهاء الأمصار والأعصار : إلى أنه أول تبين الفجر في الأفق الذاهب فيه عرضا . وروي عن عثمان ، وحذيفة ، وابن عباس ، وطلق بن علي ، وعطاء بن أبي رباح ، والأعمش ، وغيرهم : أن الإمساك يجب لتبين الفجر بالطرق وعلى رؤوس الجبال .

                                                                                              وقد قيل لحذيفة : إني حين تسحرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع .

                                                                                              وروي عن علي رضي الله عنه : أنه صلى الصبح ، ثم قال : الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود .

                                                                                              قال الطبري : ومما قادهم إلى هذا القول: أن الصوم إنما هو في النهار ، والنهار عندهم: من طلوع الشمس ، وآخره غروبها ، [فأوله [ ص: 153 ] طلوعها] ، وحكى النقاش عن الخليل : أن النهار من طلوع الفجر . ويدل على ذلك قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار

                                                                                              قلت : وما قاله الطبري ليس بصحيح ; لأن الله تعالى : إنما أمر بصوم ما يقال عليه يوم ، لا بما يقال عليه نهار ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى : أياما معدودات




                                                                                              الخدمات العلمية