الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              2477 [ 1249 ] وعن أبي سعيد قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله ، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: " هو مسجدكم هذا" - لمسجد المدينة.

                                                                                              رواه أحمد ( 3 \ 8 )، ومسلم (1398)،والترمذي (3099)، والنسائي ( 2 \ 36 ).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقوله - وقد سئل عن أي المسجدين الذي أسس على التقوى " هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة " يرد قول ابن عباس إذ قال : إنه مسجد قباء . قال : لأنه أول مسجد بني في الإسلام . وهذا السؤال صدر ممن ظهرت له [ ص: 509 ] المساواة بين مسجدين معينين لهما مزية على غيرهما من المساجد بحيث يصلح أن يقال على كل واحد منهما أسس على التقوى ، وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وذلك أنه لما هاجر - صلى الله عليه وسلم- نزل على بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم أياما وأسس فيها مسجد قباء ، ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلى عندهم الجمعة ، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام ، ثم إنه دخل المدينة فنزل على بني مالك بن النجار على أبي أيوب فأسس مسجده بالمربد الذي كان للغلامين اليتيمين ، فاشتراه من الناظر لهم على ما تقدم في كتاب الصلاة ، فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لهما صار كل واحد من المسجدين مؤسسا على التقوى ، فلما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه [التوبة: 108] أشكل التعيين ، فسئل عن ذلك ، فأجاب بأنه مسجد المدينة . فإن قيل : إذا كان كل واحد منهما أسس على التقوى ، فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة ؟ قلنا : يمكن أن يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، بل ندب إليه ، أو كان رأيا رآه ، بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجزم عليه ، فأشبه امتثال الواجب ، فكان بذلك الاسم أحق . أو حصل له - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه رضي الله عنهم من الأحوال القلبية عند بنائه ما لم يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك ، والله أعلم .

                                                                                              ويلزم من تعيين النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجده لأن يكون هو المراد بقوله تعالى : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه أن يكون الضمير في فيه رجال عائد على المسجد الذي أسس على التقوى ; لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه ، وليس الأمر كذلك ، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة عن [ ص: 510 ] أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " نزلت هذه الآية فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين [التوبة: 108] في أهل قباء ; لأنهم كانوا يستنجون بالماء " ، فعلى هذا يكون الضمير في فيه رجال غير عائد على المسجد المذكور قبله ، بل على مسجد قباء الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم ، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول . وعلى هذا يتعين على القارئ أن يقف على " فيه " من قوله : أحق أن تقوم فيه ويبتدئ : فيه رجال يحبون أن يتطهروا ; ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .




                                                                                              الخدمات العلمية