صحيح مسلم
3519 [ 1353 ] وعن البراء قال: جاء رجل من بني النبيت -قبيلمن الأنصار- فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك عبده ورسوله، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: " عمل هذا يسيرا وأجر كثيرا" .
رواه البخاري (2808)، ومسلم (1900).
المفهم
وقول مسروق : ( سألنا عبد الله عن هذه الآية ) ; هو عبد الله بن مسعود ، وهكذا في رواية أبي بحر : (سألنا عبد الله بن مسعود ) ، ومن قال فيه : عبد الله بن عمرو فقد أخطأ .
وقول عبد الله : ( أما إنا سألنا عن ذلك فقال ) ; كذا صحت الرواية ، ولم يذكر فيها (رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) ، وهو المراد منها قطعا . ألا ترى قوله : (فقال) ; وأسند الفعل إلى ضميره ، وإنما سكت عنه للعلم به ، فهو مرفوع ، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يتوصل إليه بعقل ولا قياس ، وإنما يتوصل إليه بالوحي ، فلا يقال : هو موقوف على عبد الله بن مسعود .
وقد تضمن هذا الحديث تفسير قوله تعالى : بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران : 169] وأن معنى حياة الشهداء : أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم ، بأن جعلت في جوف طير ، كما في هذا الحديث ، أو في حواصل طير خضر ، كما في الحديث الآخر ، صيانة لتلك الأرواح ، ومبالغة في إكرامها ، لإطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم ، كما يطلع الراكب المظلل عليه بالهودج الشفاف ; الذي لا يحجب عما وراءه . ثم يدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة ، وطيبها ، ونعيمها ، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به . وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله تعالى لها ، ثم إن أرواحهم بعد سرحها في [ ص: 716 ] الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرمة مشرفة منورة عبر عنها بالقناديل ; لكثرة أنوارها ، وشدتها . والله تعالى أعلم .
وهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث ، وأما حديث مالك الذي قال فيه : (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة) ; فالمراد بالمؤمن هنا : الشهيد .
والحديثان واحد في المعنى ، وهو من باب حمل المطلق على المقيد . وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر : (إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) ; فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يعرض عليه مقعده من الجنة وهو في موضعه من القبر أو الصور ، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة ، ولا داخل فيها ; وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد ; فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها ، على ما تقدم ، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرض ذلك عليها ، كما قال تعالى في آل فرعون : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم ، والتخويف ، والحزن ، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فنسأل الله العافية . كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح ، والسرور ، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له . وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث ، وتتفق . والله الموفق .
[ ص: 717 ] وقد حصل من مجموع الكتاب والسنة . أن الأرواح باقية بعد الموت ، وأنها متنعمة ، أو معذبة إلى يوم القيامة.
وقد اختلف الناس في الأرواح قديما وحديثا ما هي ؟ وعلى أي حال هي ؟ اختلافا كثيرا ، واضطربوا فيها اضطرابا شديدا ; الواقــف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها ; وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة ، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته . وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى : قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85] فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته ، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك ، واستقراء ما هنالك يحصل للباحث : أن الروح أمر ينفخ في الجسد ، ويقبض منه ، ويتوفى بالنوم والموت ، ويؤمن ، ويكفر ، ويعلم ، ويجهل ، ويفرح ، ويحزن ، ويتنعم ، ويتألم ، ويخرج ، ويدخل ، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلا للعلوم وأضدادها ، وللفكر وأضدادها ، ولغير ذلك من المعاني ، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع : أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها ، فيلزم أن يكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه ، وأنه قابل للأعراض .
وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز ؟ ذهبت طوائف من الأوائل ، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين ، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز . وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق سبحانه وتعالى الخاصة به ، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام ، وأن الروح قائم بنفسه متحيز ، فهو من قبيل الجواهر .
ثم اختلف ، هل هو يقبل الانقسام فيكون جسما أو لا يقبله فيكون جوهرا [ ص: 718 ] فردا ؟ فذهبت طائفة من جلة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن ، أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيا ، فإذا أراد الله تعالى إماتة الحيوان نزعه منه ، وأزال اتصاله بالحياة ، وأعقبها بالموت. وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب ، أو غيره مما يكون في الإنسان ، أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلا به . والله تعالى أعلم ، وأحكم ، والتسليم أولى وأسلم .
والذي اتفق أهل التحقيق عليه : أنه محدث مخترع ; لأنه متغير ، وكل متغير محدث على ما يعرف في موضعه ، ولا يلتفت لقول من قال : إن الروح قديم ; إذ لا قديم إلا الله تعالى ، على ما يعرف في موضعه ، ولا يلتفت أيضا لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر ، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة ، فتتنعم بها ، كما جاء في هذه الأحاديث ، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة ، فتعذب فيها ، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية ، وهكذا أبدا . وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم . وهو قول مناقض لما جاءت به الشريعة ، ولما أجمعت الأمة عليه ، ومعتقده يكفر قطعا ، فإنه أنكر ما علم قطعا من إخبار الله تعالى ، وإخبار نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن أمور الآخرة ، وعن تفاصيل أحوالها ، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه . فالتناسخ والقول به باطل ، محال عقلا ، على ما يعرف في علم الكلام .
وقوله : ( فاطلع إليهم ربهم اطلاعة ) ; أي : تجلى لهم برفع حجبهم ، وكلمهم مشافهة بغير واسطة ، مبالغة في الإكرام ، وتتميما للإنعام .
[ ص: 719 ] وقولهم : ( نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا ) ; دليل على أن مجرد الأرواح هي المتكلمة ، ويدل على: أن الروح ليس بعرض خلافا لمن ذهب إلى ذلك . وفيه رد على التناسخية ، وأن أجواف الطير ليست أجسادا لها ، وإنما هي مودعة فيها على سبيل الحفظ والصيانة والإكرام ، على ما قدمناه . وهذا كله يدل على أن لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البر ، كما قال في الحديث الآخر : ( ليس أحد له عند الله خير يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد ; لما يرى من فضل الشهادة) .


