إحياء علوم الدين
السادس قتل صيد البر أعني ما يؤكل أو هو متولد من الحلال ، والحرام فإن قتل صيدا فعليه مثله من النعم يراعى فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ، ولا جزاء فيه .
(فصل)
على تحريم صيد البر اتفق عامة العلماء ، وهو اتفاق أهل الله أيضا في اعتباره ، ومعناه قال بعضهم الزاهد صيد الحق من الدنيا ، والعارف صيد الحق من الجنة ، فالحلق صيد للحق من نفوسهم برا وبحرا ، فاعلم أن الحق تعالى نصب حبالات لصيد النفوس الشاردة مما خلقت له من عبادته ، ثم خدعهم بالحب الذي جعل لهم في تلك الحبالات ، أو الطعوم ، أو ذوات الأرواح المشتهية لهم في الحياة جعلها مقيدة في الحبالات من حيث لا يشعرون ، فمن الصيد من أوقعه في الحبالة رؤية الجنس طمعا في اللحوق بهم فصار في قبضة الصائد فقيده ، وهو كان المقصود ؛ لأنه مطلوب لعينه ، ومن الصيد من أوقعه الطمع في تحصيل الحب المبذور في الحبالات ، فأبصره ، فقاده الإحسان فرمى نفسه عليه فصاده ، فلولا الإحسان ما جاء إليه ، فمجيئه معلول ، والبر هو المحسن ، والإحسان ، والحق غيور ، فما أراد من هذه الطائفة الخاصة الذين جعلهم حراما ليكونوا له أن يجعلهم عبيد إحسان ، فيكون للإحسان لا له ، ولهذا دعاهم شعثا غبرا مجردين من المخيط ملبين لإجابته بالإهلال كما أجاب الطائر لصوت الصائد فحرم عليهم لمكانتهم صيد البر الذي هو الإحسان ما داموا حرما حالا في المكان الحلال ، والحرام ، ومكانا في الحرام ، وإن كانوا حلالا أو حراما فحيثما كانت الحرمة امتنع صيد الإحسان ، فإن الله من صفاته الغيرة ، فلم يرد أن يدعو هذه الطائفة المنعوتين بالإحرام من باب النعم ، والإحسان فيكونون عبيد إحسان لا عبيد حقيقة ؛ فإنه استهضام بالجناب الإلهي . يقال : من صحبك لغرض انقضت منه بانقضائه وصحبة العبد ربه ينبغي أن تكون ذاتية كما هي في نفس الأمر ؛ لأنه لا خروج للعبد عن قبضة سيده ، وإن أبق في زعمه كما هو ملكه ، وهو جاهل بملك سيده ، فلهذا حرم على الحاج صيد البر ما دام حراما ، فإذا خرج من إحرامه وصار حلالا حل له صيد البر ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه . خطابا منه لعبيد الإحسان حيث جهلوا مقاديرهم ، وما ينبغي لجلال الله من الانقياد بالطاعة إليه ، ولم يحرم صيد البحر على المحرم ما دام حرما ، لأن صيد البحر صيد ماء ، وهو عنصر الحياة ، والمطلوب بإقامة هذه العبادة ، وغيرها إنما هو حياة القلوب ، والجوارح وقعت المناسبة بين ما طلب منه ، وبين الماء ، فلم يحرم صيده أن يتناوله ، ولهذا جاء بلفظ البحر لاتساعه ؛ فإنه يعم ، وكذلك هو الأمر في نفسه ؛ فإنه ما من شيء خلقه إلا هو يسبح بحمده ، ولا يسبح إلا هي فسرت الحياة في جميع الموجودات ، فاتسع حكمها فناسب البحر في الاتساع ، ولذا لم يقل صيد الماء لمراعاة السعة التي في البحر ، فصيد البحر حلال للحلال ، والحرام ، والله أعلم .


