الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق ، بالملتزم فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت وتبركا بالمماسة ورجاء للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك لا في البيت ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه ، ولا مفزع له إلا كرمه وعفوه وأنه ، لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل .

وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت ، فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى .

إظهارا للخلوص في الخدمة ، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مترددا بين العذاب والغفران .

التالي السابق


(وأما التعلق بأستار الكعبة، والالتزاق بالملتزم ) وهو بين الباب والحجر الأسود، (فلتكن نيته في الالتزام طلب القرب) من الله تعالى (حبا وشوقا للبيت ولرب البيت) مع تصحيح القصد في ذلك، (وتبركا بالمماسة) ، واتباعا لسنته صلى الله عليه وسلم، (ورجاء للتحصن من النار) ، فإنه مقام أمن (في كل جزء من [ ص: 452 ] بدنك لما في البيت) من الصدر والذراعين وأجزاء الوجه، (ولتكن نيته في التعلق بالأستار الإلحاح في طلب المغفرة) ، والعفو من الله تعالى، (وسؤال الأمان) من العذاب، (كالمذنب المتعلق) بكليته (بثياب من أذنب إليه) الفار منه إليه (المتضرع إليه) ، بغاية ذله، وانكساره (في عفوه عنه) وتجاوزه له (المظهر له) بظاهره وباطنه ( إنه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مفزع إلا عفوه وكرمه، وإنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو) عنه لما مضى، (وبذل الأمن في المستقبل) مما سيقدم عليه .

(وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت، فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك ) حالة كونه (جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى إظهارا للخلوص في الخدمة، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة) ، عسى أن يقع عليه نظر الملك في بعض ملاحظاته فتشمله رحمته في جملة المرحومين، (كالذي دخل على الملك) لزيارته، ومشاهدته، (وخرج) من عنده، (وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه في قبول أو رد) أو تقريب أو طرد (فلا يزال يتردد على فناء الدار) وحريمها (مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى) ، أو في الثالثة إن لم يرحم في الثانية، (وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة) ، لوزن أعماله، (وليمثل الصفا بكفة الحسنات) ; لأن الله تهمم بها بالذكر فبدأ بها .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا وقرأ الآية، ولذلك ناسب تمثيله بكفة الحسنات، (والمروة بكفة السيئات) إذ بها يختم السعي، وكلاهما نظيران، كما أن الحسنات نظير السيئات، وحكمهما على السواء; لأن الشيء المقابل هو من مقابله على خط السواء، (وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مرددا بين العذاب والغفران) .

وأيضا كان على الصفا أساف، وعلى المروة نائلة فلا يغفلها الساعي بينهما فعندما يرقى في الصفا يعبر اسمه من الأسف، وهو حزنه على ما فاته من تضييع حقوق الله تعالى عليه، ولهذا يستقبل البيت بالدعاء والذكر ليذكره ذلك فيظهر عليه الحزن، فإذا وصل إلى المروة، وهو موضع نائلة يأخذه من النول، وهو العطية فيحصل نائلة الأسف، أي: أجره، وليفعل ذلك في السبعة الأشواط; لأن الله تعالى امتن عليه بسبع صفات ليتصرف فيها ويصرفها في أداء حقوق الله لا يضيع منها شيئا فيأسف على ذلك، فيجعل الله له أجره في اعتبار نائلة بالمروة إلى أن يفرغ، وليلاحظ أن السعي في هذا الموضع جمع الأحوال الثلاثة، وهي: الانحدار، والترقي، والاستواء .

فانحداره إلى الله وصعوده إلى الله، واستواؤه مع الله الله في بالله عن أمر الله فليكن في كل من أحواله الثلاثة مع الله لله، وليتحقق أن الصفا والمروة من الحجارة، والمطلوب منهما ما تعطيه حقيقتهما من الخشية والحياة، والعلم بالله، والثبات في مقامهما، فمن سعى ووجد مثل هذه الصفات في نفسه حال سعيه فقد سعى، وحصل نتيجة سعيه فانصرف من مسعاه حي القلب بالله ذا خشية من الله عالما بقدره وبماله، ولله وإن لم يكن كذلك فما سعى بين صفا ومروة .




الخدمات العلمية