الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولا يكون متمتعا إلا بخمس شرائط .

: أحدها : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام وحاضره من كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة .

الثاني : أن يقدم العمرة على الحج .

الثالث : أن تكون عمرته في أشهر الحج .

الرابع : أن لا يرجع إلى ميقات الحج ولا إلى مثل مسافته لإحرام الحج .

الخامس أن يكون حجه : وعمرته عن شخص واحد فإذا وجدت هذه الأوصاف كان متمتعا ولزمه دم شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر متفرقة أو متتابعة

التالي السابق


(ولا يكون متمتعا إلا بخمسة شرائط : أحدها : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام) قال الله تعالى : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام والمعنى فيه أن الحاضر بمكة ميقاته للحج نفس مكة ، فلا يكون بصورة التمتع رابحا ميقاته (وحاضره من كان منه على مسافة لا تقصر فيه الصلاة) أي : من كان مسكنه دون مسافة القصر ، فإن زادت المسافة فلا ، وبه قال أحمد ، وعند أبي حنيفة حاضروا المسجد الحرام : أهل المواقيت والحرم وما بينهما . وقال مالك : هم أهل مكة وذي طوى . وربما روى أنهم أهل الحرم .

قال الرافعي : والمسافة المذكورة مرعية من نفس مكة أو من الحرم . حكى إبراهيم المروزي فيه وجهين ، والثاني هو الدائر في عبارات العراقيين ، ويدل عليه أن المسجد الحرام عبارة عن جميع الحرم لقوله تعالى : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن كان له مسكنان أحدهما في حد القرب من الحرم والثاني في حد البعد ، فإن كان مقامه في البعيد أكثر فهو آفاقي ، وإن كان في القرب أكثر فهو من الحاضرين ، وإن استوى مقامه بهما نظر إلى ماله وأهله ، فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له ، وإن استويا في ذلك أيضا اعتبر حاله بعزمه ، فأيهما عزم على الرجوع إليه فهو من أهله ، فإن لم يكن له عزم فالاعتبار بالذي خرج منه ، ولو استوطن غريب بمكة فهو من الحاضرين ، ولو استوطن مكي بالعراق فليس له حكم الحاضرين ، والاعتبار بما آل إليه الأمر ، ولو قصد الغريب مكة ودخلها متمتعا ناويا للإقامة بها بعد الفراغ من النسكين أو من العمرة أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر لم يكن من الحاضرين ، ولم يسقط عنه دم التمتع ، فإن الإقامة لا تحصل بمجرد النية . وذكر المصنف في هذا الشرط صورة هو أنه قال : والآفاقي إذا جاوز الميقات الأعلى مريدا للنسك فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعا ؛ إذ صار من الحاضرين ؛ إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة . وقد توقف الإمام الرافعي فيها وقال : لم أجدها لغيره بعد البحث ، وما ذكر من عدم الاشتراط في الإقامة مما تنازع فيه كلام عامة الأصحاب ، ونقله عن نصه في الإملاء والقديم فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة ، بل في اعتبار الاستيطان . وقال النووي في زيادات الروضة : المختار في هذه الصورة أنه متمتع ليس بحاضر ، بل يلزمه الدم ، والله أعلم .

(الثاني : أن يقدم العمرة على الحج) فلو حج ثم اعتمر فلا دم عليه ؛ لأن [ ص: 305 ] الدم إنما يجب إذا زاحم بالعمرة حجه في وقتها وترك الإحرام بحجه من الميقات (الثالث : أن تكون عمرته) أي وقوعها (في أشهر الحج) فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حج لم يلزمه الدم ؛ لأنه لم يجمع بين الحج والعمرة في وقت الحج ، فأشبه المفرد لما لم يجمع بينهما لم يلزمه دم ، وقد ذكر الأئمة أن دم التمتع منوط من جهة المعنى بأمرين : أحدهما : ربح الميقات كما سبق ، والثاني : وقوع العمرة في أشهر الحج ، وكانوا لا يزحمون الحج بالعمرة في مظنته ووقت إمكانه ، ويستنكرون ذلك ، فهو إذا للمتمتع رخصة وتخفيف ؛ إذ الغريب قد ورد قبل عرفة بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام لو أحرم ، ولا سبيل إلى مجاوزته ، فجوز له أن يعتمر ويتحلل ، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فيه قولان : أحدهما : يلزمه الدم . قاله في القديم والإملاء ؛ لأنه حصلت المزاحمة في الأفعال وهي المقصودة ، والإحرام كالتمهيد لها : وأصحهما : لا يلزم . قاله في الأم ، وبه قال أحمد ؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج لتقدم بعض أركان العمرة عليها ، وعن ابن سريج أن النصين محمولان على حالين ، وليست المسألة على قولين إذا قام بالميقات بعد إحرامه بالعمرة حتى دخل أشهر الحج أو عاد إليه محرما بها في الأشهر لزمه الدم ، وإن جاوزه قبل الأشهر ولم يعد إليه لم يلزمه ، والفرق حصوله بالميقات محرما في الأشهر مع التمكن من الإحرام بالحج ، وإن سبق الإحرام مع بعض الأعمال أشهر الحج فالخلاف فيه مرتب إن لم نوجب الدم إذا سبق الإحرام وحده ، فههنا أولى ، وإن أوجبنا فوجهان ، والظاهر أنه لا يجب أيضا ، وعن مالك -رحمه الله- أنه مهما حصل التحلل في أشهر الحج وجب الدم ، وعند أبي حنيفة : إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في الأشهر كان متمتعا ، فإذا لم نوجب دم التمتع في هذه الصورة ففي وجوب دم الإساءة وجهان : أحدهما : يجب . وبه قال الشيخ أبو محمد ، وأصحهما : لا يجب .

(الرابع : أن لا يرجع إلى ميقات الحج) إلى أي ميقات لا خصوص ميقات إحرامه الأول ؛ لأنه ميقات عمرة التمتع ، لا ميقات حج ، وصورة هذا الشرط ما إذا أحرم بالعمرة ثم أتمها ثم عاد إلى الميقات ، ولو إذا لم يكن الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحج ، فلا دم عليه ؛ لأنه لم يربح ميقاتا ، والله أعلم .

(ولا إلى مثل مسافته) أي الميقات ، وقوله : (لإحرام الحج) راجع إلى الجملتين ، أي : فلو عاد إلى مثلها وأحرم منه فكذلك لا دم عليه ؛ لأن المقصود قطع تلك المسافة محرما ، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره ، ولو أحرم من جوف مكة وعاد إلى الميقات محرما ففي سقوط الدم مثل الخلاف فيما إذا جاوز الميقات غير محرم وعاد إليه محرما ، ولو عاد إلى ميقات أقرب إلى مكة من ذلك الميقات وأحرم منه ، كما إذا كان ميقاته الجحفة فعاد إلى ذات عرق ، فهل هو كالعود إلى ذلك الميقات ؟ فيه وجهان : أحدهما : لا ، وعليه الدم إذا لم يعد إلى ميقاته ولا إلى مثل مسافته ، والثاني : نعم ؛ لأنه أحرم من موضع ليس ساكنوه من حاضري المسجد الحرام ، وهذا هو المحكي عن اختيار القفال والمعتبرين ، وأيدوه بأن دم المتمتع خارج عن القياس ؛ لإحيائه كل ميقات بنسك ، فإذا أحرم بالحج من مسافة القصر بطل تمتعه وترفهه ، فلا ينقدح إيجاب الدم عليه بحال ، كذا نقله الرافعي .

قلت : لكن ذكر إمام الحرمين أن دم التمتع إنما ثبت بالنص ، وأنه تعبد لا يعقل معناه . . أهـ .

ثم قال الرافعي : ولو دخل القارن مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات للحج هل يلزمه الدم ؟ ذكر الإمام أنه مرتب على المتمتع إذا أحرم ثم عاد إليه إن لم يسقط الدم ، فههنا أولى ، وإن أسقطنا فوجهان ، والفرق أن اسم القران لا يزول بالعود إلى الميقات ، بخلاف التمتع ، قال الحناطي : والأصح أن لا يجب أيضا ، وقد نص عليه في الإملاء (الخامس : أن تكون حجته وعمرته عن شخص واحد) كما يشترط وقوعهما في سنة واحدة ، وهو وجه في المذهب ، ويروى عن الحصري ، وقال الجمهور : لا يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد ؛ لأن زحمة الحج وترك الميقات لا يختلف ، وهذا الأمر المختلف في اشتراطه يفرض فواته في ثلاث صور : إحداها : أن يكون أجيرا من قبل شخصين استأجره أحدهما للحج والآخر للعمرة ، والثانية : أن يكون أجيرا للعمرة ، ويعتمر للمستأجر ثم يحج عن نفسه ، والثالثة : أن يكون أجيرا للحج فيعتمر لنفسه ثم يحج عن المستأجر ، فإن تلفا فمذهب الجمهور فقد ذكروا أن نصف دم التمتع على من يقع له الحج ونصفه على من تقع له العمرة ، وليس هذا الكلام على [ ص: 306 ] هذا الإطلاق ، بل هو محمول على تفصيل ذكره صاحب التهذيب ، أما في الصورة الأولى فقد قال : إن أذنا في التمتع فالدم عليهما نصفان ، وإن لم يأذنا فهو على الأجير ، وعلى سياقه إن أذن أحدهما دون الآخر ، فالنصف على الآذن والنصف على الأجير ، وأما في الصورتين فقد قال : إن أذن له المستأجر في التمتع فالدم عليهما نصفان ، وإلا فالكل على الأجير ، فهذا شرح ما ذكره المصنف من الشروط الخمسة ، ووراءها شرطان آخران ذكرهما الرافعي في شرحه : أحدهما : اشتراط وقوع النسكين في شهر واحد ، حكاه ابن خيران وأباه عامة الأصحاب . الثاني : أن يحرم بالعمرة من الميقات ، فلو جاوزه مريدا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم التمتع ، لكن يلزمه دم الإساءة ، وقد أخذ بإطلاقه آخرون . وقال الأكثرون : هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معا . (فإذا وجدت هذه الأوصاف كان متمتعا ولزمه دم) اعلم أن هذه الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدم لا محالة على ما فيها من الوفاق والخلاف ، وهل هي معتبرة في نفس التمتع حتى إذا انخرم شرط من الشرائط كانت الصورة صورة الإفراد ؟ وظاهر سياق المصنف يلوح إلى هذا حيث يقول : "كان متمتعا " وهو أيضا المفهوم من سياقه في الوجيز ، ومنهم من لا يعتبرها في نفس التمتع ، وهذا أشهر ، ولذلك رسموا صحة التمتع من المكي مسألة خلافية ، فقالوا : يصح عندنا التمتع والقران من المكي . وبه قال مالك ، وعند أبي حنيفة : لا يصح منه قران ولا تمتع ، وإذا أحرم بهما ارتفعت عمرته ، وإن أحرم بالحج بعدما أتى بشوط في الطواف للعموم نقض حجه في قول أبي حنيفة ، وعمرته في قول أبي يوسف ومحمد ، ثم لما فرغ المصنف من القول في تصوير التمتع والشرائط المرعية فيه أشار إلى الدم وفي بدله وما يتعلق بهما بقوله (شاة) أي المتمتع يلزمه دم شاة إذا وجد ، وبه فسر قوله تعالى : فما استيسر من الهدي وصفتها صفة شاة الأضحية ، ويقوم مقامها السبع من البدنة والبقرة ، ووقت وجوبه الإحرام بالحج ، وبه قال أبو حنيفة ؛ لأنه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج ، وعن مالك أنه لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة فيتم الحج ، وإذا وجب جاز إراقته ولم يتأقت بوقت كسائر دماء الجبرانات ، إلا أن الأفضل إراقته يوم النحر ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : لا يجوز إراقته إلا يوم النحر ، وهل يجوز إراقته قبل الإحرام بالحج وبعد التحلل من العمرة ؟ فيه قولان ، وقيل : وجهان : أحدهما : لا يجوز كما لا يجوز الصوم في هذه الحالة . وأصحهما : الجواز ؛ لأنه حق مالي تعلق بشيئين وهما الفراغ من العمرة والشروع في الحج ، فإذا وجد أحدهما جاز إخراجه كالزكاة والكفارة (فإن لم يجد) الهدي بأن كان معسرا في الحال ، وإن قدر عليه في بلده فلا نظر إليه (فصيام) عشرة أيام بنص القرآن ، ويجعلها قسمين (ثلاثة أيام) وسبعة أيام أما الثلاثة فيصومها (في الحج) ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحج ، خلافا لأبي حنيفة حيث قال : يجوز بعد الإحرام بالعمرة . ولأحمد حيث قال في رواية بقول أبي حنيفة ، وقال في رواية : إنه يجوز بعد التحلل من العمرة . ثم لأداء الصوم وقتان : وقت الجواز ، ووقت الاستحباب فوقت الجواز (قبل يوم النحر) ووقت الاستحباب قبل يوم عرفة ، فإن الأحب للحاج أن يكون مفطرا يوم عرفة ، وإنما يمكنه ذلك إذا تقدم إحرامه بالحج بحيث يقع بين إحرامه ويوم عرفة ثلاثة أيام .

قال الأصحاب : وهذا هو المستحب للمتمتع الذي من أهل الصوم ، ويحرم قبل اليوم السادس من ذي الحجة ، يصوم الثلاثة ويفطر يوم عرفة ، ونقل الحناطي عن شرح أبي إسحاق وجها أنه إذا لم يتوقع هديا يجب عليه تقديم الإحرام ، بحيث يمكنه صوم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر ، وأما الواجد قبل الهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجها إلى منى ، وإذا فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه القضاء ، خلافا لأبي حنيفة حيث قال : ولا يسقط الصوم ويستقر الهدي عليه . وعن ابن سريج وأبي إسحاق تخريج قول مثله ، والمذهب الأول ؛ لأنه صوم واجب ، فلا يسقط بفوات وقته لصوم ، وإذا قضاها لم يلزمه دم ، خلافا لأحمد (متفرقة أو متتابعة) إن أحرم قبل يوم النحر بأكثر من ثلاثة أيام ، وإلا وجب صومها متتابعة ، ولا يجب عليه أن يحرم قبل بثلاثة أيام ؛ لأنه لا يجب تحصيل سبب الوجوب ، فلو أحرم والباقي أقل من ثلاث صام ما أمكنه ، وصام الباقي [ ص: 307 ] بعد أيام التشريق ، ولا يجوز صوم أيام التشريق على المعتمد ، ولو رجع إلى أهله ، ولم يصمها صامها ، ثم صام السبعة كما سيأتي ، ويجب التفريق بين الثلاثة والسبعة ، وفيما 7 التفريق أربعة أقوال تتولد من أصلين ؛ أحدهما : أن المتمتع هل له صوم أيام التشريق .

والثاني : أن الرجوع ماذا ؟ فإن قلنا : ليس له صوم أيام التشريق ، وفسرنا الرجوع بالرجوع إلى الوطن كما سيأتي ، فالتفريق بأربعة أيام ، ومدة إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة ، وإن قلنا : ليس له صومها ، وفسرنا الرجوع بالفراغ من الحج كما سيأتي ، فالتفريق أربعة أيام لا غير لتمكنه من الابتداء بصوم السبعة أيام التشريق ، وإن قلنا : له صومها ، وفسرنا الرجوع بالرجوع إلى الوطن ، فالتفريق بمدة إمكان السير إلى أهله ، فإن قلنا : له صومها ، وفسرنا الرجوع بالفراغ من الحج ، فوجهان : أصحهما أنه لا يجب التفريق ؛ لأنه يمكنه في الأداء على هذا أن يصوم أيام التشريق الثلاثة ، ويصل بعدها صوم السبعة ، والثاني : لا بد من التفريق بيوم ؛ لأن الغالب أنه يفطر يوم الرجوع إلى مكة ، وأيضا ، فإن الثلاثة تنفصل في الأداء عن السبعة بحالتين متغايرتين لو فرغ ؛ أحدهما في الحج ، والآخر بعده ، فينبغي أن يقيم في القضاء مقام ذلك التفريق بإفطار يوم .




الخدمات العلمية