الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما رمي الجمار فاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وانتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة ، أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله .

فإن خطر لك أن الشيطان عرض له ، وشاهده فلذلك رماه ، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان ، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان ، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه ، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم ، أنف الشيطان .

واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة ، وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس ، والعقل فيه .

التالي السابق


(وأما رمي الجمار) الثلاث، (فليقصد به الانقياد للأمر) الإلهي (إظهارا للرق والعبودية) التي هي أصل وصفه، (وانتهاضا لمجرد الامتثال) لأوامر الله ورسوله (من غير حظ) معقول (للعقل والنفس في ذلك) لما سبق أنه أمر تعبدي لا مدخل فيه للعقل والنفس، وإنما هو مجرد اتباع، ولا شك أن من ترك شيئا من اتباع الرسول فإنه ينقص من محبة الله إياه على قدر ما نقص من اتباع الرسول، وكذب نفسه في محبته لله بعدم تمام الاتباع وعند أهل الله لو اتبعه في جميع أموره، وأخل بالاتباع في أمر واحد ما اتبعه قط، وإنما اتبع هوى نفسه لا هو مع ارتفاع الأعذار الموجبة لعدم الاتباع، هذا مقرر عندهم فلا ينبغي التساهل فيه .

ولقد حكى القطب الشعراني قدس سره في بعض كتبه أنه اجتمع به رجل من أعيان المالكية كأنه الشريف التاجوري فلما أراد النهوض، قال له الشيخ: هلم نقرأ الفاتحة، فقال الرجل: لم يثبت عندي في ذلك شيء من السنة، فقال في نفسه: ولا علي من ذلك فقراءة الفاتحة كلها بركة وخير فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وعاتبه على ذلك، وأمره بمطالعة كتب المالكية.

وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في ذلك حكاية عن القطب أبي يزيد البسطامي قدس سره، قال: كنت أعمل على الاتباع، وإن حرمة الشريعة قائمة عندي ليس لي في ذلك الاتباع والمبادرة إليه هوى نفس، فقالت لي والدتي في ليلة باردة: اسقني ماء يا أبا يزيد فوجدت لقيامي إلى ما التمسته مني من الماء ثقلا وكراهة لشدة البرد فأبطأت للتثاقل الذي وجدت، ثم جئت بالكوز فوجدتها قد سارع إليها النوم ونامت فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز، وقد بقيت في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي لشدة البرد انقرضت فقامت الوالدة لذلك، ورجعت إلى نفسي، وقلت لها: حبط عملك في كونك كنت تدعي في نشاطك للعبادات والاتباع من محبتك لله فإنه ما كلفك ولا ندبك وأوجب عليك إلا ما هو محبوب له، وكل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب، ومما أمرك الله به يا نفسي البر بوالدتك، والإحسان إليها، والمحب يفرح، ويبادر لما يحبه حبيبه، ورأيتك قد تكاسلت وتثاقلت وصعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء، فقمت بكسل وكراهية [ ص: 454 ] فعلمت أنه كل ما نشطت فيه من أعمال البر وفعلته لا عن كسل ولا تثاقل، بل عن فرح ولذة به، إنما كان ذلك لهوى كان لك فيه لا لأجل الله لو كان لله لما صعب عليك الإحسان لوالدتك، وهو شيء يحبه الله منك وأمرك به، وأنت تدعي حبه، وإن حبه أورثك النشاط واللذة في عبادته فلم يسلم لنفسه هذا القدر، وكذلك قال .

وكذلك غير أبي يزيد كان يحافظ على الصلاة في الصف الأول دائما منذ سبعين سنة، وهو يزعم أنه يفعل ذلك رغبة فيما رغبه الله فيه موافقة لله فاتفق له عائق عن المشي إلى الصف الأول، فخطر له خاطرات الجماعة التي تصلي في الصف الأول إذا لم يروه أن يقولوا: أين هو ؟ فبكى، وقال لنفسه: خدعتني منذ سبعين سنة تخيل لي أني لله، وأنا في هواك، وماذا عليك إذا فقدوك ؟ فتاب، وما رؤي بعد ذلك يلزم في المسجد مكانا واحدا فهكذا حاسبوا نفوسهم .

ومن كانت حالته هذه ما يستوي مع من هو فاقد لهذه الصفة، كذلك سبيل من رمى الجمار بمجرد الاتباع من غير أن يكون له ملاحظة حظ للنفس أو العقل فافهم ذلك، (ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في الموضع ليدخل على حجة شبهة، أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله) .

روى عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام، جاء جبريل عليه السلام، فقال له: طف به سبعا، ثم ساق الحديث، وفيه أنه لما دخل منى، وهبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل: كبر وارمه سبع حصيات فغاب عنه، ثم برز له عند الجمرة الوسطى، فقال له جبريل: كبر وارمه فرماه إبراهيم سبع حصيات، ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل: كبر وارمه فرماه سبع حصيات، مثل حصى الخذف فغاب عنه إبليس، ثم مضى إبراهيم في حجه. ... الحديث، (فإن خطر لك أن الشيطان عرض له، وشاهده فلذلك رماه، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر) الذي خطر لك هو (من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي) ، ويدخل عليك بالوسواس والتردد، (ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب) ، ويشبهه (فلم تشتغل به) فإذا أحسست من نفسك هذا (فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي، فبذلك ترغم أنف الشيطان) .

ولهذه الملاحظة شرع فيه من الدعاء رغما للشيطان كما تقدم في الأدعية، (واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة، وفي الحقيقة ترمي به الشيطان وتقصم به ظهره) ، وتخيب به أمله، (إذ لا يحصل إرغام أنفه) ، وقصم ظهره وخيبة أمله (إلا بامتثالك أمر الله سبحانه تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ النفس، والعقل فيه) ، ثم اعلم أن هذا الذي ذكره المصنف أولا .

وثانيا أن رمي الجمار أمر تعبدي، والعقل والنفس معزولان فيه كغالب أعمال الحج هو الذي صرح به العارفون في كتبهم، وربما يفهم منه أنه غير معقول المعنى، وليس إلا التعبد والتشبه فقط، وهو ليس على ظاهره فإن في رمي الجمار اعتبارا لأهله في سياقه غموض ودقة، وإنما أورده على الإجمال، فاعلم أن الجمرات الجماعات، وكل جمرة جماعة أية جماعة كانت، ومنه الاستجمار في الطهارة، ويستحب أن يكون وترا من ثلاث فصاعدا، وأكثره سبعة في العبادة لا في اللسان فإن الجمرة الواحدة سبع حصيات.

وكذلك الجمرات الزمانية التي تدل على خروج فصل شدة البرد كل جمرة في شباط سبعة أيام، وهي ثلاث جمرات متصلة كل جمرة سبعة أيام فتنقضي الجمرات بمضي أحد وعشرين يوما من شباط، مثل رمي الجمار أحد وعشرون حصاة، وهي ثلاث جمرات وكذلك الحضرة الإلهية تنطلق بإزاء ثلاث معان: الذات والصفات والأفعال، ورمي الجمرات مثل الأدلة والبراهين على سلب كحضرة الذات، أو إثبات كحضرة الصفات المعنوية، أو نسب وإضافة كحضرة الأفعال فدلائل الجمرة الأولى لمعرفة الذات، ولهذا يقف عندها لغموضها إشارة إلى الثبات فيها، وهي ما يتعلق بها من السلوب إذ لا يصح أن يعرف بطريق إثبات صفة معينة، ولا يصح أن يكون لها صفات نفسية متعددة، بل صفة نفسه عينه لا أمر آخر فلا بد أن تكون صفته النفسية الثبوتية واحدة، وهي [ ص: 455 ] عينه لا غير فهو مجهول العين معلوم بالافتقار إليه، وهذه هي معرفة أحديته تعالى فيأتي خاطر الشبهة بالإمكان لهذه الذات، فيرجمه بحصاة الافتقار إلى المرجح، وهو واجب الوجود لنفسه .

ويأتي بصورة الدليل على ما يعطيه نظمه في موازين العقول فهذه حصاة واحدة من الجمرة الأولى، فإذا رماه بها مكبرا أي يكبر عن هذه النسبة الإمكانية إليه، فيأتيه في الثانية بأنه جوهر، فيرميه بالحصاة الثانية، وهو دليل الافتقار إلى التحيز، أو إلى الوجوب بالغير، فيأتيه بالجسمية، فيرميه بحصاة الافتقار إلى الأداة والتركيب والأبعاد، فيأتيه بالعرضية، فيرميه بحصاة الافتقار إلى المحل والحدوث بعد أن لم يكن، فيأتيه بالعلية فيرميه بالحصاة الخامسة، وهي دليل مساوقة المعلول له في الوجود، وهو كان ولا شيء معه، فيأتيه في الطبيعة فيرميه بالحصاة السادسة، وهي دليل نسبة الكثرة إليه وافتقار كل واحد من آحاد الطبيعة إلى الأمر الآخر في الاجتماع به إلى إيجاد الأجسام الطبيعية، فيأتيه في العدم، وهو أن يقول له: إذا لم يكن هذا ولا هذا، ويعدد ما تقدم فما ثم شيء فيرميه بالحصاة السابعة، وهي دليل آثاره في الممكن، والعدم لا أثر له .

وقد ثبت بدليل افتقار الممكن في وجوده إلى مرجح وموجود كواجب الوجود لنفسه، وهذا هو الذي أثبتناه مرجحا، وانقضت الجمرة الأولى، ثم أتينا إلى الثانية، وهي حضرة الصفات المعنوية، فقال لك: سلمنا أن ثم ذاتا مرجحة للممكن فمن قال: إن هذه الذات عالمة بما ظهر عنها فرميناه بالحصاة الأولى إن كان هذا هو الخاطر الأول الذي خطر لهذا الحاج المعنوي، وقد يخطر له الطعن في صفة أخرى أولا فيرميه بحسب ما يخطر له إلى تمام سبع صفات، وهي: الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام وبعض الأصحاب لا يشترط هذه الثلاثة أعني السمع والبصر والكلام في الأدلة العقلية، ويتلقاه من السمع إذا ثبت ويجعلها كأنها ثلاثة أخر، وهي: علم ما يجب له، وما يجوز، وما يستحيل عليه مع الأربعة التي هي القدرة والإرادة والعلم والحياة فهذه سبعة علوم فورد الخاطر الشيطاني بشبهة في كل علم منها فيرميه هذا الحاج بحصاة كل دليل عقلي على الميزان الصحيح في نظام الأدلة بحسب ما يقتضيه، ويطيل التثبت في ذلك .

ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي: حضرة الأفعال وهي سبع أيضا فيقوم في خاطره أولا المولدات وأنها قامت بأنفسها فيرميه بحصاة افتقارها من الوجه الخاص على الحق سبحانه فإذا علم الخاطر أنه لا يرجع عن علمه بالافتقار أظهر له أن افتقاره إلى سبب آخر غير الحق وهو العناصر، ومنهم من كان يعبدها، وإذا خطر له ذلك فإما أن يتمكن منه بأن ينفي أثر الحق تعالى عنه منها، وإن لم يقدر فقصاراه أن يثبتها شركاء فيرميه بالحصاة الثانية فيرميه في دلالتها أن العناصر مثل المولدات في الافتقار إلى غيرها وهو الله تعالى فإذا رماه بالحصاة الثانية كما ذكرنا أخطر له السبب الذي توقف وجود الأركان عليه، وهو الفلك فقال: إن موجد هذه الأركان الفلك وصدقت فيما قلته فيرميه بالحصاة الثالثة، وهو افتقار الفلك فيصدقه في الافتقار، ويقول له: أنت غالط إنما كان افتقار الشكل إلى الجسم الذي لولاه ما ظهر الشكل فيرميه بالحصاة الرابعة، وهو افتقار الجسم إلى الله من الوجه الخاص فيصدقه ويقول له: صحيح ما قلت من الافتقار القائم، ولكن إلى جوهر الهيولى الذي لم تظهره صورة الجسم إلا فيه فيرميه بالحصاة الخامسة، وهو دليل افتقار الهيولى إلى الله فيقول، بل افتقارها إلى النفس الكلية فيرميه بالحصاة السادسة، وهو دليل افتقار النفس الكلية إلى الله فيصدقه في الافتقار، ولكن يقول له: بل افتقارها إلى العقل الأول الذي عنه انبعثت فيرميه بالحصاة السابعة، وهو دليل افتقار العقل الأول إلى الله، وليس وراء الله مرمى، فما يجد ما يقول له بعد الله، فهذا تحرير رمي جمرات حج العارفين بمنى .




الخدمات العلمية