الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

السادس قتل صيد البر أعني ما يؤكل أو هو متولد من الحلال ، والحرام فإن قتل صيدا فعليه مثله من النعم يراعى فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ، ولا جزاء فيه .

(فصل)

على تحريم صيد البر اتفق عامة العلماء ، وهو اتفاق أهل الله أيضا في اعتباره ، ومعناه قال بعضهم الزاهد صيد الحق من الدنيا ، والعارف صيد الحق من الجنة ، فالحلق صيد للحق من نفوسهم برا وبحرا ، فاعلم أن الحق تعالى نصب حبالات لصيد النفوس الشاردة مما خلقت له من عبادته ، ثم خدعهم بالحب الذي جعل لهم في تلك الحبالات ، أو الطعوم ، أو ذوات الأرواح المشتهية لهم في الحياة جعلها مقيدة في الحبالات من حيث لا يشعرون ، فمن الصيد من أوقعه في الحبالة رؤية الجنس طمعا في اللحوق بهم فصار في قبضة الصائد فقيده ، وهو كان المقصود ؛ لأنه مطلوب لعينه ، ومن الصيد من أوقعه الطمع في تحصيل الحب المبذور في الحبالات ، فأبصره ، فقاده الإحسان فرمى نفسه عليه فصاده ، فلولا الإحسان ما جاء إليه ، فمجيئه معلول ، والبر هو المحسن ، والإحسان ، والحق غيور ، فما أراد من هذه الطائفة الخاصة الذين جعلهم حراما ليكونوا له أن يجعلهم عبيد إحسان ، فيكون للإحسان لا له ، ولهذا دعاهم شعثا غبرا مجردين من المخيط ملبين لإجابته بالإهلال كما أجاب الطائر لصوت الصائد فحرم عليهم لمكانتهم صيد البر الذي هو الإحسان ما داموا حرما حالا في المكان الحلال ، والحرام ، ومكانا في الحرام ، وإن كانوا حلالا أو حراما فحيثما كانت الحرمة امتنع صيد الإحسان ، فإن الله من صفاته الغيرة ، فلم يرد أن يدعو هذه الطائفة المنعوتين بالإحرام من باب النعم ، والإحسان فيكونون عبيد إحسان لا عبيد حقيقة ؛ فإنه استهضام بالجناب الإلهي . يقال : من صحبك لغرض انقضت منه بانقضائه وصحبة العبد ربه ينبغي أن تكون ذاتية كما هي في نفس الأمر ؛ لأنه لا خروج للعبد عن قبضة سيده ، وإن أبق في زعمه كما هو ملكه ، وهو جاهل بملك سيده ، فلهذا حرم على الحاج صيد البر ما دام حراما ، فإذا خرج من إحرامه وصار حلالا حل له صيد البر ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه . خطابا منه لعبيد الإحسان حيث جهلوا مقاديرهم ، وما ينبغي لجلال الله من الانقياد بالطاعة إليه ، ولم يحرم صيد البحر على المحرم ما دام حرما ، لأن صيد البحر صيد ماء ، وهو عنصر الحياة ، والمطلوب بإقامة هذه العبادة ، وغيرها إنما هو حياة القلوب ، والجوارح وقعت المناسبة بين ما طلب منه ، وبين الماء ، فلم يحرم صيده أن يتناوله ، ولهذا جاء بلفظ البحر لاتساعه ؛ فإنه يعم ، وكذلك هو الأمر في نفسه ؛ فإنه ما من شيء خلقه إلا هو يسبح بحمده ، ولا يسبح إلا هي فسرت الحياة في جميع الموجودات ، فاتسع حكمها فناسب البحر في الاتساع ، ولذا لم يقل صيد الماء لمراعاة السعة التي في البحر ، فصيد البحر حلال للحلال ، والحرام ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية