الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلْيُكْثِرْ مِنْ دُعَاءِ الْخِضْرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ وَلَا سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ وَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ يَا مَنْ لَا تُغَلِّطُهُ الْمَسَائِلُ وَلَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ اللُّغَاتُ يَا مَنْ لَا يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ وَلَا تُضْجِرُهُ مَسْأَلَةُ السَّائِلِينَ أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلَاوَةَ مُنَاجَاتِكَ . وَلْيَدْعُ بِمَا بَدَا لَهُ وَلْيَسْتَغْفِرْ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلْيُلِحَّ فِي الدُّعَاءِ وَلْيُعَظِّمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ بِعَرَفَةَ اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّ الْجَمِيعَ مِنْ أَجْلِي . وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ قَالَ رَجُلٌ لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ عَرَفَاتٍ ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ فِيهِمْ . (تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ سَابِقًا قَوْلُهُ: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ..... إِلَخْ . قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الذِّكْرُ دُعَاءً لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ بُكَيْرِ بْنِ عَتِيكٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّنَاءُ يُحَصِّلُ أَفْضَلَ مَا يُحَصِّلُ الدُّعَاءَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الدُّعَاءِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ ؟ فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ تَفْسِيرُهُ ؟ فَقُلْتُ: حَدِّثْنِيهِ أَنْتَ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا شَغَلَ عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَلَيَّ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ"، قَالَ: وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ: أَمَا عَلِمْتَ مَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ حِينَ أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ يَطْلُبُ نَائِلَةَ، فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ أُمَيَّةُ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي حَيَاؤُكَ أَنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ ثُمَّ قَالَ: يَا حُسَيْنُ هَذَا مَخْلُوقٌ يُكْفَى بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ دُونَ مَسْأَلَةٍ، فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ ؟ الْوَجْهُ الثَّانِي مَعْنَاهُ أَفْضَلُ مَا يُسْتَفْتَحُ الدُّعَاءُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ قَالَ: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ...... إِلَخْ . الثَّالِثُ: مَعْنَاهُ أَفْضَلُ مَا يُتَبَدَّلُ بِهِ عَنِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ..... إِلَخْ . وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ اهـ. قُلْتُ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيِّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْفَسَوِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، كَانَ جَاوَرَ بِمَكَّةَ حَتَّى مَاتَ قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّمَا هِيَ ذِكْرٌ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ حَدِيثَ مَنْصُورٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ، فَإِنَّ ذَاكَ تَفْسِيرُهُ . أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ لَمَّا أَتَى ابْنَ جُدْعَانَ يَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ. قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَمَّا أَتَاهُ قَالَ: فَسَاقَ الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، قَالَ سُفْيَانُ: فَهَذَا مَخْلُوقٌ نُسِبَ لِلْجُودِ، فَقِيلَ لَهُ: كَفَانَا تَعَرُّضُكَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى حَاجَتِنَا، فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَخْرِيجِ الْأَذْكَارِ: وَقَدْ وَقَعَتْ لِي الْقِصَّةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِعُلُوٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الزَّيْنِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ حَمْزَةَ بْنِ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا إِلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ التَّمِيمِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الرَّوَّادِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو تُرَابٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيْدَرَةَ، سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَذَكَرَ بِنَحْوِ الْأَثَرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ الشِّعْرُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ الْحَدِيثُ: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي، وَقَالَ: فِيهِ هَذَا الدُّعَاءُ بَدَلَ قَوْلِهِ بِذِكْرٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَهَذَا مَخْلُوقٌ اكْتَفَى بِأَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْجُودِ، فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ ؟ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بِتَمَامِهِ وَزَادَ فِيهِ . قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ: مَا أَعْدَلَهُ ؟ سَأَلْتُ مِنْ عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يُفَسِّرْهُ لِي أَحَدٌ كَمَا فَسَّرَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ مَقْطُوعٌ ظَاهِرٌ، أَوْ هَذَا فِي حُكْمِ الْمُرْسَلِ فَإِنَّ مَالِكًا تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِ "الْأَدْعِيَةِ" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَأَلَتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: أَمَا بَلَغَكَ حَدِيثُ مَنْصُورٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ، وَحَدَّثْتَنِي أَنْتَ عَنْ مَنْصُورٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية