الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَإِذَا بَلَغَ الْمُزْدَلِفَةَ اغْتَسَلَ لَهَا لِأَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْيَدْخُلْهُ بِغُسْلٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دُخُولِهِ مَاشِيًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَقْرَبُ إِلَى تَوْقِيرِ الْحَرَمِ وَيَكُونُ فِي الطَّرِيقِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِذَا بَلَغَ الْمُزْدَلِفَةَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ مُزْدَلِفَةُ جَمَعْتَ فِيهَا أَلْسِنَةً مُخْتَلِفَةً تَسْأَلُكَ حَوَائِجَ مُؤْتَنِفَةً فَاجْعَلْنِي مِمَّنْ دَعَاكَ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعَشَاءِ قَاصِرًا لَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَافِلَةٌ ، وَلَكِنْ يَجْمَعُ نَافِلَةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوَتْرِ بَعْدَ الْفَرِيضَتَيْنِ ، وَيَبْدَأُ بِنَافِلَةِ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ بِنَافِلَةِ الْعِشَاءِ كَمَا فِي الْفَرِيضَتَيْنِ فَإِنَّ تَرْكَ النَّوَافِلِ فِي السَّفَرِ خُسْرَانٌ ظَاهِرٌ وَتَكْلِيفُ إِيقَاعِهَا فِي الْأَوْقَاتِ إِضْرَارٌ وَقَطْعٌ لِلتَّبَعِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرَائِضِ فَإِذَا ، جَازَ أَنْ يُؤَدِّي النَّوَافِلَ مَعَ الْفَرَائِضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ فَبِأَنْ يَجُوزَ أَدَاؤُهُمَا عَلَى حُكْمِ الْجَمْعِ بِالتَّبَعِيَّةِ أَوْلَى ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا مُفَارَقَةُ النَّفْلِ لِلْفَرْضِ فِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِمَا أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ مِنَ التَّبَعِيَّةِ وَالْحَاجَةِ ثُمَّ يَمْكُثُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَهُوَ مَبِيتُ نُسُكٍ ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ وَلَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِحْيَاءُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الْقُرُبَاتِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إتحاف السادة المتقين (فَإِذَا بَلَغَ الْمُزْدَلِفَةَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ مُزْدَلِفَةُ جَمَعْتَ فِيهَا أَلْسِنَةً مُخْتَلِفَةً تَسْأَلُكَ حَوَائِجَ مُؤْتَنِفَةً ) ، أَيْ مُسْتَأْنَفَةً مُبْتَدَأَةً، (فَاجْعَلْنِي مِمَّنْ دَعَاكَ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَاصِرًا لَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَافِلَةٌ، وَلَكِنْ يَجْمَعُ نَافِلَةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوَتْرِ بَعْدَ الْفَرِيضَتَيْنِ، وَيَبْدَأُ بِنَافِلَةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ بِنَافِلَةِ الْعِشَاءِ كَمَا فِي الْفَرِيضَتَيْنِ) . أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، أَيْ صَلَاةُ نَافِلَةٍ، وَقَدْ جَاءَتِ السَّجْدَةُ بِمَعْنَى الرَّكْعَةِ، وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ. قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا الْجَمْعُ سُنَّةٌ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا فَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ دُونَ مُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَجَوَّزُوا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَنْ يُصَلَّى كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا مَعَ كَرَاهِيَةٍ اهـ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوِ انْفَرَدَ بَعْضُهُمْ فِي الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ أَوْ بِمُزْدَلِفَةَ، أَوْ صَلَّى إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَى وَحْدَهُ جَازَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ بِعَرَفَةَ أَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ وَيَجِبُ الْجَمْعُ بِمُزْدَلِفَةَ اهـ . قُلْتُ: وَعِبَارَةُ أَصْحَابِنَا: وَأَعَادَ مَغْرِبًا أَدَّاهُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ عَرَفَاتٍ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُهُ وَقَدْ أَسَاءَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إِذَا صَلَّى بِعَرَفَاتٍ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا فَلَا تَجِبُ إِعَادَتُهَا، كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا أَنَّ التَّأْخِيرَ مِنَ السُّنَّةِ فَيَصِيرُ مُسِيئًا بِتَرْكِهِ، وَلَهُمَا مَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، مَعْنَاهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَبِهِ يُفْهَمُ وُجُوبُ التَّأْخِيرِ . وَإِنَّمَا وَجَبَ لِيُمْكِنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ لِيَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا، وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ فَتَسْقُطُ الْإِعَادَةُ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ مَعْنَاهُ مَكَانُ الصَّلَاةِ أَمَامَكَ فَيَكُونُ مِنْ ذِكْرِ الْحَالِ، وَإِرَادَةُ الْمَحَلِّ لِحَدِيثِ الْمُصَلَّى أَمَامَكَ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ مَعْنَاهُ الْقَضَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَتَفْوِيتِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ فَضْلًا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجِبُ النَّظَرُ فِي سَبَبِهِ، فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِيصَالَ السَّيْرِ أَوْ إِمْكَانَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ مَيْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الشِّعْبِ، وَقَضَاءَ حَاجَتِهِ يَأْبَاهُ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، فَمَهْمَا كَانَ مُمْكِنًا لَا يُصَارُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْإِمْكَانُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ مَا لَمْ يَطْلُعْ، وَأَمَّا إِذَا طَلَعَ فَقَدْ فَاتَ الْإِمْكَانُ فَسَقَطَتِ الْإِعَادَةُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنْ لَمْ يَخَفْ طُلُوعَ الْفَجْرِ; لِأَنَّهُ إِنْ خَافَ طُلُوعَهُ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي الطَّرِيقِ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَلِّهِمَا لَصَارَتَا قَضَاءً، وَلَوْ قَدَّمَ الْعِشَاءَ عَلَى الْمَغْرِبِ بِمُزْدَلِفَةَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يُعِيدُ الْعِشَاءَ فَإِنْ لَمْ يُعِدِ الْعِشَاءَ حَتَّى انْفَجَرَ الصُّبْحُ أَعَادَ الْعِشَاءَ إِلَى الْجَوَازِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا خَمْسًا، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْمَتْرُوكَةِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ صَلَّى السَّادِسَةَ آلَ إِلَى الْجَوَازِ وَأُورِدَ عَلَى قَوْلِهِمَا مِنْ جَانِبِ أَبِي يُوسُفَ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا صَلَّاهُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي عَرَفَاتٍ مِنَ الْمَغْرِبِ أَوِ الْعِشَاءِ إِنْ وَقَعَتْ صَحِيحَةً فَلَا تُعَادُ أَصْلًا وَإِنْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً تُعَادُ مُطْلَقًا فَمَا وَجْهُ تَقْيِيدِ الْبُطْلَانِ بِالْإِعَادَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالصِّحَّةِ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ قَبْلَهُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِعَادَتِهَا بِمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِنْ أَعَادَهَا فِيهِ قَبْلَهُ بَطَلَتْ وَإِلَى النَّفْلِ انْقَلَبَتْ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ صَحَّتْ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ وَهِيَ إِمْكَانُ الْجَمْعِ فُقِدَتْ وَالتَّحْقِيقُ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا بِالْإِعَادَةِ مُطْلَقًا لِئَلَّا يَلْزَمَ تَقْدِيمُ الظَّنِّيِّ عَلَى الْقَطْعِيِّ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ . وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ هُوَ حَدِيثُ أُسَامَةَ، وَيُفِيدُ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ فَعَمِلْنَا بِمُقْتَضَاهُ مَا لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقَطْعِيِّ، وَهُوَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَقْتِ فَقَبْلَ الطُّلُوعِ لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقَطْعِيِّ، وَبَعْدَهُ يَلْزَمُ وَذَلِكَ; لِأَنَّ بَعْدَهُ انْتَفَى تَدَارُكُ هَذَا الْوَاجِبِ وَتَقَرَّرَ الْإِثْمُ فَلَوْ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ بَعْدَهُ كَانَ مَعَنَا عَدَمُ الْجَوَازِ مَعَ الصِّحَّةِ فِيمَا هُوَ مُؤَقَّتٌ قَطْعًا وَفِيهِ التَّقْدِيمُ الْمُمْتَنِعُ، وَقَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا; لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ فَتَعْلِيلُهُ بِالْجَمْعِ فَإِذَا فَاتَ سَقَطَتِ الْإِعَادَةُ تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ، وَمَرْجِعُهُ إِلَى تَقْدِيمِ الْمَعْنَى عَلَى النَّصِّ وَكَلِمَتُهُمْ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِعَيْنِ النَّصِّ لِمَعْنَى النَّصِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ هُوَ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ: زُفَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَبِحَدِيثِ أُسَامَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَفِيهِ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةُ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْعِشَاءَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَأَمَرَ إِنْسَانًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا. وَأَبُو الشَّعْثَاءِ اسْمُهُ سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ رَاهَوَيْهِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمَّا بَلَغْنَا جَمْعًا صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَكَانِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَقَدْ عَلِمْتُ مَا فِي هَذَا مِنَ التَّعَارُضِ فَإِنْ لَمْ يُرَجَّحْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحِيحَانِ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ حَتَّى تَسَاقَطَا كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَصْلِ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْإِقَامَةِ بِتَعَدُّدِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ بَلْ أَوْلَى; لِأَنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ هُنَا وَقْتِيَّةٌ فَإِذَا أُقِيمَ لِلْأُولَى الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ كَانَتِ الْحَاضِرَةُ أَوْلَى أَنْ يُقَامَ لَهَا بَعْدَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ مَالِكٌ: بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَفْظُ الْأَخِيرِ: فَلَمَّا أَتَى جَمْعًا أَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ أَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَاءٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِالْعِشَاءِ وَأَقَامَ فَصَلَّاهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ دُونَ أَذَانٍ . وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ كَلَّ وَاحِدَةٍ بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى أَثَرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: وَلَمْ يُنَادِ فِي الْأُولَى وَلَمْ يُسَبِّحْ عَلَى أَثَرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا: وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا، وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَالْمُنْذِرِيُّ: أَنَّ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَحَكَى غَيْرُهُمَا أَنَّ أَصَحَّ قَوْلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ أَذَانٍ، وَدَلِيلُهُمْ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، زَادَ النَّسَائِيُّ: وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى أَثَرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثًا وَاثْنَيْنِ، وَرَوَى الْجَمْعَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَقَالَ: أَيَّهَا فَعَلْتَ أَجْزَأَكَ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تُوهِمُ التَّضَادَّ وَالتَّهَافُتَ، وَقَدْ تَعَلَّقَ كُلُّ مَنْ قَالَ بِقَوْلٍ مِنْهَا بِظَاهِرِ مَا تَضَمَّنَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرِهَا: فَنَقُولُ: قَوْلُهُ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْ لِكُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَتَأَيَّدُ بِرِوَايَةِ مَنْ صَرَّحَ بِإِقَامَتَيْنِ، ثُمَّ نَقُولُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدَةٍ بِإِقَامَةٍ أَيْ وَمَعَ إِحْدَاهُمَا أَذَانٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ صَرَّحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَغْرِبِ قَالَ: الصَّلَاةَ، قَدْ يُوهِمُ الِاكْتِفَاءَ بِذَلِكَ دُونَ إِقَامَةٍ، وَيَتَأَيَّدُ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ: الصَّلَاةَ، تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَشْتَغِلُوا عَنْهَا بِأَمْرٍ آخَرَ، ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَمَرَ بِالْإِقَامَةِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُقِمْ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُضَادٌّ لِلْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى غَيْرَ تِلْكَ الْمَرَّةِ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعِيرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَمْعٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي صِفَةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ الْكُبْرَى، وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمْ أَحْفَظْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً بِجَمْعٍ، وَهَذَا قَالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَنَقُولُ: الْعُمْدَةُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا حَدِيثُ جَابِرٍ دُونَ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ; لِأَنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ جَمَعَ بِإِقَامَةٍ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْجَمْعَ دُونَ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ رَوَى بِإِقَامَتَيْنِ فَقَدْ أَثْبَتَ مَا لَمْ يُثْبِتْهُ مَنْ رَوَى بِإِقَامَةٍ فَقَضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَوَى بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ أَتَمُّ الْأَحَادِيثِ فَقَدْ أَثْبَتَ مَا لَمْ يُثْبِتْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ لَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (وَهَكَذَا فَعَلَ الْجَامِعُ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (فِي السَّفَرِ) أَيِ الِابْتِدَاءَ بِنَافِلَةِ الْأُولَى، ثُمَّ بِالثَّانِيَةِ (فَإِنَّ تَرْكَ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ خُسْرَانٌ ظَاهِرٌ وَتَكْلِيفُ إِيقَاعِهَا فِي الْأَوْقَاتِ إِضْرَارٌ وَقَطْعُ التَّبَعِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرَائِضِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ تُؤَدَّى النَّوَافِلُ مَعَ الْفَرَائِضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ) ، كَمَا سَبَقَ فِي أَسْرَارِ الطَّهَارَةِ (فَبِأَنْ يَجُوزَ أَدَاؤُهَا عَلَى حُكْمِ الْجَمْعِ بِالتَّبَعِيَّةِ أَوْلَى، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا مُفَارَقَةُ النَّفْلِ لِلْفَرْضِ فِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِمَا أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ مِنَ التَّبَعِيَّةِ وَالْحَاجَّةِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُمْ لَا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِذَا جَمَعُوا، وَلَا عَلَى أَثَرِهِمَا أَمَّا بَيْنَهُمَا فَلِمُرَاعَاةِ الْمُوَالَاةِ، وَأَمَّا عَلَى أَثَرِهِمَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فِي الشَّرْحِ: لَا يَتَنَفَّلُ الْإِمَامُ، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فَلَوِ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ لَاقْتَدَى بِهِ النَّاسُ، وَانْقَطَعُوا عَنِ الْمَنَاسِكِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَنَفَّلُ أَيْضًا كَالْإِمَامِ . وَالثَّانِي: إِنَّ الْأَمْرَ وَاسِعٌ لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَتْبُوعٍ، وَهَذَا فِي النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ دُونَ الرَّوَاتِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (ثُمَّ يَمْكُثُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَهُوَ مَبِيتُ نُسُكٍ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ وَلَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ) . اعْلَمْ أَنَّ مَبِيتَ أَرْبَعِ لَيَالٍ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالثَّانِي أَيَّامُ التَّشْرِيقِ بِمِنًى، وَلَكِنَّ مَبِيتَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهَا لَيْسَ بِنُسُكٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْفِرِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَفِي الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ لِلْمَبِيتِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ عَنْ نَقْلِ شَيْخِهِ وَصَاحِبِ التَّقْرِيبِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهُ بِمُعْظَمِ الْمَبِيتِ فِي مُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَالثَّانِي الِاعْتِبَارُ بِحَالِ طُلُوعِ الْفَجْرِ . قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي مَبِيتِ الْمُزْدَلِفَةِ سَاعَةً فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ لَمْ يَحْضُرْ مُزْدَلِفَةَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ، وَحَضَرَهَا سَاعَةً فِي النِّصْفِ الثَّانِي حَصَلَ الْمَبِيتُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمِ: يَحْصُلُ بِسَاعَةٍ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ مُعْظَمُ اللَّيْلِ، وَإِلَّا ظَهَرَ وُجُوبُ الدَّمِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ . قَالَ الْإِمَامُ: وَطَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى هَذَا النَّسَقِ فِي لَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ مُحَالٌ، لِأَنَّا جَوَّزْنَا الْخُرُوجَ مِنْهَا بِانْتِصَافِ اللَّيْلِ، وَلَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ غَالِبًا، وَمَنِ انْتَهَى إِلَيْهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَخَرَجَ بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ بِهَا حَالَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَا فِي مُعْظَمِ اللَّيْلِ فَلَا يَتَّجِهُ فِيهَا إِذًا إِلَّا اعْتِبَارُ حَالَةِ الِانْتِصَافِ، ثُمَّ هَذَا النُّسُكُ مَجْبُورٌ بِالدَّمِ، وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ؟ أَمَّا فِي لَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ فَقَدْ مَرَّ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى الْمَعْذُورِ، وَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَمَا سَقَطَ بِالْعُذْرِ كَالْحَلْقِ وَاللَّبْسِ، وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ يَمِيلُ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِيجَابِ، وَلَا دَمَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِعُذْرٍ، وَهُمْ أَصْنَافٌ مِنْهُمْ رُعَاةُ الْإِبِلِ وَمِنْهُمْ سُقَاةُ النَّاسِ، وَلَا تَخْتَصُّ السِّقَايَةُ بِالْعَبَّاسِيَّةِ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَلَوِ اسْتُحْدِثَ سِقَايَةُ لِلْحَجِّ فَلِلْمُقِيمِ بِشَأْنِهَا تَرَكَ الْمَبِيتَ أَيْضًا، وَمِنَ الْمَعْذُورِينَ الَّذِينَ يَنْتَهُونَ إِلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَيَشْغَلُهُمُ الْوُقُوفُ عَنِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْمَبِيتِ الْمُتَفَرِّغُونَ لَهُ، وَمِنَ الْمَعْذُورِينَ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعُهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالْمَبِيتِ أَوْ مَرِيضٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَعَهُّدِهِ، أَوْ كَانَ يَطْلُبُ عَبْدًا أَبِقَ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِأَمْرٍ آخَرَ يَخَافُ فَوْتَهُ فَفِي هَؤُلَاءِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا . وَيُحْكَى عَنْ نَصِّهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْمَبِيتِ كَالرُّعَاةِ وَالسُّقَاةِ قُلْتُ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْمَبِيتُ بِهَا سُنَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ، وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلْوُقُوفِ كَوُقُوفِ عَرَفَةَ، وَلَوْ مَرَّ بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا جَازَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْوُقُوفِ فِي ضِمْنِ الْمُرُورِ، كَمَا فِي عَرَفَةَ، وَلَوْ وَقَفَ بَعْدَ مَا أَفَاضَ الْإِمَامُ قَبْلَ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَقَفَ بَعْدَمَا أَفَاضَ الْإِمَامُ، وَلَوْ دَفَعَ قَبْلَ النَّاسِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ إِذِ السُّنَّةُ حَدُّ الْوُقُوفِ إِلَى الْأَسْفَارِ، وَالصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (وَإِحْيَاءُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الْقُرُبَاتِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ) ، وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ أَسْرَارِ الصَّلَاةِ حَدِيثُ: مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ، وَفِي مُثِيرِ الْعَزْمِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ النَّحْرِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، فَإِذَا سَلَّمَ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، جَعَلَ اللَّهُ اسْمَهُ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَغَفَرَ لَهُ ذُنُوبَ السِّرِّ، وَذُنُوبَ الْعَلَانِيَةِ وَكَتَبَ لَهُ بِكُلِّ آيَةٍ قَرَأَهَا حَجَّةً وَعُمْرَةً وَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ سِتِّينَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَإِنْ مَاتَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمْعَةِ الْأُخْرَى مَاتَ شَهِيدًا. وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ: كُنْتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ أُحْيِي اللَّيْلَ فَإِذَا امْرَأَةٌ تُصَلِّي إِلَى الصَّبَاحِ، وَمَعَهَا شَيْخٌ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ جِئْنَاكَ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، وَحَجَجْنَا كَمَا أَمَرْتَنَا وَوَقَفْنَا كَمَا دَلَلْتَنَا، وَقَدْ رَأَيْنَا أَهْلَ الدُّنْيَا إِذَا شَابَ الْمَمْلُوكُ فِي خِدْمَتِهِمْ تَذَمَّمُوا أَنْ يَبِيعُوهُ، وَقَدْ شِبْنَا فِي خِدْمَتِكَ فَأَعْتِقْنَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية