الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ عَادَ إِلَى مِنًى لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ ، فَيَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِنًى وَتُسَمَّى لَيْلَةَ الْقَرِّ لِأَنَّ النَّاسَ فِي غَدٍ يَقِرُّونَ بِمِنًى وَلَا يَنْفِرُونَ . فَإِذَا أَصْبَحَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنَ الْعِيدِ وَزَالَتِ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ لِلرَّمْيِ وَقَصَدَ الْجَمْرَةَ الْأُولَى الَّتِي تَلِي عَرَفَةَ وَهِيَ عَلَى يَمِينِ الْجَادَّةِ وَيَرْمِي إِلَيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَإِذَا تَعَدَّاهَا انْحَرَفَ قَلِيلًا عَنْ يَمِينِ الْجَادَّةِ ، وَوقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ وَدَعَا مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ ، وَخُشُوعِ الْجَوَارِحِ ، وَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَدْرَ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُقْبِلًا عَلَى الدُّعَاءِ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى وَيَرْمِي كَمَا رَمَى الْأُولَى وَيَقِفُ كَمَا وَقَفَ لِلْأُولَى ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَرْمِي سَبْعًا وَلَا يُعَرِّجُ عَلَى شُغْلٍ بَلْ ، يَرْجِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِنًى ، وَتُسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ النَّفَرِ الْأَوَّلِ وَيُصْبِحُ فَإذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى فِي هَذَا الْيَوْمِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً كَالْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ . ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُقَامِ بِمِنًى ، وَبَيْنَ الْعَوْدِ إِلَى مَكَّةَ . فَإِنْ خَرَجَ مِنْ مِنًى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ صَبَرَ إِلَى اللَّيْلِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ ، بَلْ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ حَتَّى يَرْمِيَ فِي يَوْمِ النَّفَرِ الثَّانِي أَحَدًا وَعِشْرِينَ حَجَرًا كَمَا سَبَقَ . إتحاف السادة المتقين (ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ عَادَ إِلَى مِنًى لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ، فَيَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِنًى وَتُسَمَّى) ، هَذِهِ اللَّيْلَةُ (لَيْلَةَ الْقَرِّ) بِالْفَتْحِ; (لِأَنَّ النَّاسَ فِي غَدِهَا يَقِرُّونَ بِمِنًى ) لِلنَّحْرِ، (وَلَا يَنْفِرُونَ) ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِيَوْمِهَا أَيْضًا يَوْمُ الْقَرِّ، وَقَدْ قَرَّ بِالْمَكَانِ قَرَّ وَاسْتَقَرَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، (فَإِذَا أَصْبَحَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنَ الْعِيدِ) وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَزَالَتِ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ لِلرَّمْيِ ) وَهُوَ سُنَّةٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ ذِكْرِ الِاغْتِسَالِ الْمَسْنُونَةُ (وَقَصَدَ الْجَمْرَةَ الْأُولَى الَّتِي تَلِي عَرَفَةَ ) عَلَى يَمِينِ الْمُقْبِلِ مِنْهَا إِلَى مِنًى (وَهِيَ عَلَى مَتْنِ الْجَادَّةِ) الَّتِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ، (وَيَرْمِي إِلَيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَإِذَا تَعَدَّاهَا) ، أَيْ: تَجَاوَزَهَا (انْحَرَفَ) ، أَيْ: مَالَ (قَلِيلًا عَنْ مَتْنِ الْجَادَّةِ، وَوقَفَ مُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ وَدَعَا مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ، وَخُشُوعِ الْجَوَارِحِ، وَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَدْرَ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُقْبِلًا عَلَى الدُّعَاءِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى وَيَرْمِيهَا) بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، (كَمَا رَمَى) الْجَمْرَةَ (الْأُولَى وَيَقِفُ) عِنْدَهَا، (كَمَا وَقَفَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ) حَصَيَاتٍ (وَلَا يُعَرِّجُ عَلَى شُغْلٍ وَلَا يَقِفُ لِدُعَاءٍ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي فِي الْجَمْرَةِ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَوَهَمَ فِي اسْتِدْرَاكِهِ (وَيَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِنًى أَيْضًا، وَتُسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ النَّفَرِ الْأَوَّلِ) ، وَيَوْمُهَا يَوْمَ النَّفَرِ الْأَوَّلِ، وَالنَّفَرُ بِالتَّحْرِيكِ (وَيُصْبِحُ فَإذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى فِي هَذَا الْيَوْمِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً كَالْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ) ، لِكُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَةً سَبْعَةً هَكَذَا تَوَاتَرَ النَّقْلُ فِيهِ قَوْلًا وَعَمَلًا (ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُقَامِ بِمِنًى، وَبَيْنَ الْعَوْدِ إِلَى مَكَّةَ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ مِنًى قَبْلَ) غُرُوبِ (الشَّمْسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، أَيْ لَهُ ذَلِكَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّمْيُ مِنَ الْغَدِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ، (وَإِنْ صَبَرَ إِلَى اللَّيْلِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ حَتَّى يَرْمِيَ فِي يَوْمِ النَّفَرِ الثَّانِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً كَمَا سَبَقَ) ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَشْرَعُ النَّفَرَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإذَا ارْتَحَلَ فَغَرَبَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ مِنًى كَانَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ كَيْلَا يَحْتَاجَ إِلَى الْحَطِّ بَعْدَ التَّرْحَالِ، وَلَوْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. وَمَنْ نَفَرَ وَكَانَ قَدْ تَزَوَّدَ الْحَصَى لِلْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ طَرَحَ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ، أَوْ دَفَعَهَا لِغَيْرِهِ، قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَلَمْ يُؤْثَرْ شَيْءٌ فِيمَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهَا اهـ . وَقَدْ عُرِفَ مِنْ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَدْخُلُ بِالزَّوَالِ، وَيَبْقَى إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَهَلْ يَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ؟ أَمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا، وَأَمَّا فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلِينَ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَمْتَدُّ . وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ مِنَ النَّحْرِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْفَعَ الْيَدَ عِنْدَ الرَّمْيِ فَهُوَ أَعْوَنُ عَلَيْهِ وَأَنْ يَرمِيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ مُسْتَدْبِرَهَا، كَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ، وَأَنْ يَكُونَ نَازِلًا فِي رَمْيِ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَرَّا كَبَاقِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ يَرْمِي وَيَسِيرُ عَقِيبَهُ كَمَا أَنَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ يَرْمِي ثُمَّ يَنْزِلُ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْجُمْهُورُ وَنَقَلُوهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّ الصَّحِيحَ تَرْكُ الرُّكُوبِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا جَزْمُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ يَستَدْبِرُ الْقِبْلَةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ وَجْهٌ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَلَهُ وَجْهٌ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقِبْلَةَ عَلَى يَسَارِهِ وَعَرَفَاتٍ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالسُّنَّةُ إِذَا رَمَى فِي الْجَمْرَةِ الْأُولَى أَنْ يَتَقَدَّمَ قَلِيلًا قَدْرًا تَبْلُغُهُ حَصَاةُ الرَّامِينَ، وَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَدْعُو وَيَذْكُرُ اللَّهَ قَلِيلًا بِقَدْرِ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَإِذَا رَمَى إِلَى الثَّانِيَةِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَقِفُ إِذَا رَمَى إِلَى الثَّالِثَةِ اهـ. قَالَ الْحَافِظُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية