الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
9654 - ويل لأمتي من علماء السوء (ك في تاريخه) عن أنس - (ض)

التالي السابق


(ويل لأمتي من علماء السوء) وهم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة، فالواحد منهم أسير الشيطان، أهلكته شهوته، وغلبت عليه شقوته، ومن هذا حاله فضرره على الأمة من وجوه كثيرة: منها الاقتداء به في أفعاله وأقواله، ومنها تحسينه للحكام ظلم الأنام، وتساهله في الفتوى لهم، وإطلاقه القلم واللسان بالجور وبالبهتان استكبارا أن يقول فيما لا علم عنده به: لا أدري، قال الغزالي: آفة العلم الخيلاء، فلم يلبث العالم أن يتعزز بالعلم، ويستعظم نفسه ويحتقر الناس، وينظر إليهم نظره إلى البهائم ويستجهلهم، ويترفع أن يبدأه بالسلام، فإن بدأ أحدهم بالسلام، أو رد عليه ببشر، أو قام له، أو أجاب له دعوة، رأى ذلك صنيعة عنده وبرا عليه يلزمه شكره، واعتقد أنه أكرمهم وفعل بهم ما لا يستحقونه، وأنه ينبغي أن يخدموه شكرا له على صنيعته، بل الغالب أنهم يبرونه ولا يبرهم، ويزورونه ولا يزورهم، ويستخدم من خالطه منهم ويسخره في حوائجه، فإن قصر استنكره كأنهم عبيده أو أجراؤه، وكأن تعلمه العلم صنيعة منه لديه ومعروف إليه، أو استحقاق حق عليه. وقال الماوردي : الدنيا دار مرضى؛ إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت، ولا على ظهرها إلا سقيم، ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان، والعلماء أطباء القلوب، وقد مرضوا في هذه العصور مرضا شديدا عجزوا عن علاجه، وصارت لهم أسوة في عموم المرض حتى ظهر نقصانهم، فاضطروا إلى إغراء الخلق وإرشادهم إلى ما يزيدهم مرضا، وهو حب الدنيا الذي تلبسوا به لما لم يقدروا على التحذير منه، حذرا أن يقال لهم: فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم؟ فلذلك عم الداء، وعظم الوباء، وانقطع الدواء، وهلك الخلق لفقد الأطباء، بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء، فليتهم إذ لم يصلحوا لم يفسدوا، وليتهم سكتوا وما نطقوا، فإنهم لم يهمهم في مواعظهم إلا ما يزعق العوام ويستميل قلوبهم من تسجيع الكلام، وتغليب أسباب الرجاء، وذكر دلائل الرحمة؛ لأن ذلك ألذ في الأسماع، وأخف على الطباع، لينصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جراءة على المعاصي، ومتى كان الطبيب جاهلا أو خائنا يضع الدواء في غير موضعه، فالرجاء والخوف دواءان، لكن لشخصين متضادي العلة

(تتمة) قال الحكيم: علماء السوء ضربان: ضرب مكب على حطام الدنيا لا يسأم ولا يمل، قد أخذ بقلبه حبها وألزمه خوف الفقر، فهو كالهمج يتقلب في المزابل من عذرة إلى عذرة، ولا يتأذى بسوء رائحتها، وإكبابه عليها كإكباب الخنازير، فمسخوا في صورة الخنازير، وضرب أهل تصنع ودهاء ومخادعة وتزين للمخلوقين شحا على رياستهم، يتبعون الشهوات، ويلتقطون الرخص، ويخادعون الله بالحيل في أمور دينهم، فاطمأنوا إلى الدنيا وأسبابها، ورضوا من العلم بالقول دون الفعل، فإذا حل بهم السخط مسخوا قردة، فإن القردة جبلت على الخداع واللعب والبطالة، وشأن الخنزير الإكباب على المزابل والعذرة. واعلم أن قضية كلام المصنف أن ذا هو الحديث بتمامه، والأمر بخلافه، بل بقيته عند مخرجه الحاكم : يتخذون هذا العلم تجارة يبيعونها من أمراء زمانهم ربحا لأنفسهم، لا أربح الله تجارتهم، اهـ. بنصه

[فائدة] روى سحنون عن ابن وهب عن عبد العزيز بن أبي حازم: سمعت أبي يقول: كان العلماء فيما مضى إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم يقول: هذا يوم غنيمة، وإذا لقي مثله ذاكره، وإذا لقي دونه لم يزه عليه، واليوم يعيب الرجل من فوقه ابتغاء أن ينقطع عنه، حتى يرى الناس أنه ليس بهم حاجة إليه، ولا يذاكر مثله، ويزهو على من هو دونه، فهلك [ ص: 370 ] الناس اهـ. هذا في ذاك الزمان، فما بالك بالناس الآن، وما انطووا عليه من جحد الفضائل مع قيام الدلائل، وحب الرياسة والتعظيم، والتسارع إلى نبذ من تلوح عليه شواهد العلم بالقصور، ويلتمسون بكثرة الانتقاد العثرات، ويسترون رسوم الحسنات ببعض السقطات، وربما رأى بعضهم استحقاق العلم بالتوارث من الآباء، لكون المنصب كان لأبيه، وقد نص القرافي أنه من البدع المحرمة

(ك في تاريخه) أي تاريخ نيسابور (عن أنس بن مالك ) وفيه إبراهيم بن طهمان مختلف فيه، وحجاج بن حجاج، قال الذهبي : مجهول.



الخدمات العلمية