الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فلو طلقها الزوج قبل الدخول ، واستحق أن يرجع بنصف الصداق لم يخل حال الشقص من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون الشفيع قد أخذه بالشفعة ، فللزوج أن يرجع عليها بنصف قيمة الشقص كما لو باعته ، فعلى هذا لو كانت الزوجة قد اشترته من الشفيع ، أو ورثته عنه ، ثم طلقها الزوج كان له الرجوع بنصفه .

                                                                                                                                            فإن قيل : أفليس لو وهب الأب لابنه دارا فباعها الابن ثم اشتراها ، لم يكن للأب أن يرجع بها في أحد الوجهين ، فهلا كان الزوج هكذا ؟ .

                                                                                                                                            [ ص: 459 ] قلنا : الفرق بينهما أن خروج الهبة عن ملك الابن قد أسقط حق الأب في الرجوع بها ؛ لأنه لا يرجع في الهبة ولا ببدلها ، فلم يكن له بعد سقوط حقه من الرجوع أن يرجع بها ، وليس كذلك الصداق ؛ لأن زوال ملك الزوجة عنه ما أسقط حق الزوج منه ؛ لأنه إن لم يرجع به رجع ببدله ، فلذلك إذا عاد إلى ملكها رجع بنصفه .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يكون الشفيع قد عفا عن الشفعة ، فللزوج أن يرجع بنصفه ؛ لأنه عين ما أصدق ، وهكذا لو كان الشفيع قد أخذه بالشفعة ، ثم رده عليها بعيب كان للزوج أن يرجع بنصفه .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يكون الشفيع غائبا لم يعلم بالشفعة ولا عفا عنها حتى طلق الزوج ، ففي أحقهما بالقديم وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما - وهو قول أبي إسحاق المروزي - : أن الزوج أحق ؛ لحضوره بالمطالبة ، وأن استحقاقه بنص الكتاب والإجماع ، فعلى هذا ترجع في نصفه ، ويكون للشفيع إذا قدم أن يأخذ نصفه بنصف مهر المثل ، وليس له أن يأخذ من الزوج نصفه الذي ملكه بالطلاق ؛ لأنه ملكه بغير عوض .

                                                                                                                                            والوجه الثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة - : أن الشفيع أحق ؛ لأن حقه أسبق ، فعلى هذا يرجع الزوج عليها بنصف قيمة الشقص .

                                                                                                                                            فإن قال الزوج : أنا أصبر حتى يحضر الشفيع ، فإن عفا أخذت نصف الشقص لم يكن ذلك لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : لأن حقه قد صار في القيمة .

                                                                                                                                            والثاني : لئلا تبقى ذمة الزوجة مرتهنة به .

                                                                                                                                            فلو لم يأخذ القيمة حتى حضور الشفيع ، فعفا عن الشفعة ، ففي استحقاق الزوج لنصفه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : لا حق له فيه ؛ لأن حقه قد صار في القيمة .

                                                                                                                                            والثاني : له أخذ نصفه ، تعليلا بأن ذمتها تبرأ به ، ولكن لو أخذ الزوج القيمة ثم عفا الشفيع ، لم يكن للزوج فيه حق ؛ لاستيفائه لحقه ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية