الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 989 ص: فَإِنِ اعْتَلَّ مُعْتَلٌّ بِالصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ وَبِجَمْعٍ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ رَأَيْنَاهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْإِمَامَ بِعَرَفَةَ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَصَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا كَمَا يُصَلِّي فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ كَانَ مُسِيئًا، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُقِيمٌ، أَوْ فَعَلَهُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ؛ لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ عَرَفَةَ وَجَمْعَ مَخْصُوصَتَانِ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَأَنَّ حُكْمَ مَا سِوَاهُمَا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ حُكْمِهِمَا فِيهِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنَّهُ تَأْخِيرُ الْأُولَى وَتَعْجِيلُ الْآخِرَةِ . شرح معاني الآثار ش: هَذَا اعْتِرَاضٌ يَرِدُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، تَقْرِيرُهُ: أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: إِنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْإِجْمَاعِ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا وَلَا تَتَأَخَّرُ، وَأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ مَخْصُوصٌ مَحْدُودُ الطَّرَفَيْنِ لَا يُشَارِكُهَا غَيْرُهَا فِيهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ كَذَلِكَ، وَأَنْ تَكُونَ كُلُّ صَلَاةٍ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَا تُشَارِكُ غَيْرَهَا فِيهِ؟ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الصَّلَاةِ بِعَرَفَاتٍ ، فَإِنَّهُ يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَأَنَّهُمَا كَانَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ بِجَمْعٍ وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ فِيهَا؟ وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ فِي عَرَفَاتٍ وَالْعِشَاءَيْنِ فِي مُزْدَلِفَةَ لَيْسَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرَيْنِ وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَوَقْتُ الْعِشَاءَيْنِ وَقْتٌ وَاحِدٌ، بِحَيْثُ تُشَارِكُ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَلِأَجْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، وَلِأَجْلِ الِاشْتِغَالِ بِالْإِفَاضَةِ مِنْهَا إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ بِعَرَفَةَ لَوْ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ كَانَ جَائِزًا، وَلَكِنَّهُ مُسِيئًا لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِهَا كَانَ جَائِزًا مَعَ الْإِسَاءَةِ. وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَمَا جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُتِمُّ أَوِ الْمُسَافِرُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ عَرَفَةَ وَجَمْعَ مَخْصُوصَتَانِ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَأَنَّ حُكْمَ مَا سِوَاهُمَا فِي هَذَا بِخِلَافِ حُكْمِهِمَا فِيهِ. قَوْلُهُ: "فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ..." إِلَى آخِرِهِ نَتِيجَةُ كَلَامِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تَصْحِيحِ مَعَانِي الْآثَارِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهِ النَّظَرِ، أَيْ ثَبَتَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ مَعْنَى مَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ : أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّلَاةَ الْأُولَى إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَقَدَّمَ الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النُّسَخَ هَا هُنَا مُخْتَلِفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: "قِيلَ لَهُ" إِلَى قَوْلِهِ: "فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ"، وَأَحْسَنُهَا وَأَصْوَبُهَا مَا أَثْبَتَهُ وَتَرْجَمْتُهُ بِالْحُمْرَةِ. قَوْلُهُ: "فَإِنِ اعْتَلَّ مُعْتَلٌّ " الْمُعْتَلُّ هَا هُنَا اسْمُ فَاعِلٍ، وَلَكِنَّهُ يَشْتَرِكُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ اسْمُ الْفَاعِلِ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ، وَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بِالْقَرِينَةِ، مِثْلَ الْعِلَّةِ وَنَحْوِهَا يُقَالُ هَذَا مُعْتَلٌّ لِلْفَاعِلِ، وَمُعْتَلٌّ فِيهِ لِلْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَجْلِ الْإِدْغَامِ، وَالْفَرْقُ فِيهِ تَقْدِيرِي؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ آخِرِهِ مَكْسُورٌ فِي الْفَاعِلِ، وَمَفْتُوحٌ فِي الْمَفْعُولِ، تَقُولُ: مُعْتَلِلٌ وَمُعْتَلَلٌ عِنْدَ فَكِّ الْإِدْغَامِ، وَإِذَا أَدْغَمْتَ إِحْدَى اللَّامَيْنِ فِي الْأُخْرَى يَزُولُ الْفَرْقُ الصُّورِيُّ وَيَبْقَى التَّقْدِيرِيُّ، فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: "إِنَّ عَرَفَةَ وَجَمْعَ" كِلَاهُمَا لَا يَنْصَرِفَانِ؛ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، أَمَّا عَرَفَةُ فَإِنَّهُ عَلَمٌ لِلْبُقْعَةِ الْمَشْهُورَةِ وَفِيهَا تَأْنِيثٌ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَأَمَّا "جَمْعُ" فَإِنَّهُ عَلَمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ ، وَفِيهَا تَأْنِيثٌ مَعْنَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِلْبُقْعَةِ فَلَا يَنْصَرِفَانِ، فَلَا يَدْخُلُهُمَا الْجَرُّ وَالتَّنْوِينُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ دَخَلَ الْجَرُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ التَّأْنِيثَ فِيهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالتَّاءِ الَّتِي فِي لَفْظِهَا، وَإِمَّا بِتَاءٍ مُقَدَّرَةٍ، كَمَا فِي سَاعَاتٍ، فَالَّتِي فِي لَفْظِهَا لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَإِنَّمَا هِيَ مَعَ الْأَلِفِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَامَةُ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ التَّاءِ فِيهَا؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ التَّاءِ بِالْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ مَانِعَةٌ مِنْ تَقْدِيرِهَا، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلَّا الْعَلَمِيَّةُ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ دُخُولِ التَّنْوِينِ حِينَئِذٍ، فَافْهَمْ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية