الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - قالوا : يفضي إلى الاختلاف ، فيرد ; لقوله : ( ولو كان من عند غير الله ) .

            ورد بالعمل بالظواهر ، وبأن المراد : التناقض ، أو ما يخل بالبلاغة ، وأما الأحكام فمقطوع بالاختلاف فيها .

            قالوا : إن كان كل مجتهد مصيبا ، فيكون الشيء ونقيضه حقا وهو محال ، وإن كان المصيب واحدا ، فتصويب أحد الظنين مع الاستواء محال ، ورد بالظواهر ، وبأن النقيضين شرطهما الاتحاد ، [ ص: 147 ] وبأن تصويب أحد الظنين لا بعينه جائز .

            قالوا : إن كان القياس كالنفي الأصلي ، فمستغنى عنه ، وإن كان مخالفا ، فالظن لا يعارض اليقين .

            ورد بالظواهر ، وبجواز مخالفة النفي الأصلي بالظن .

            قالوا : حكم الله يستلزم خبره عنه ، ويستحيل بغير التوقيف .

            قلنا : القياس نوع من التوقيف .

            قالوا : يتناقض عند تعارض علتين .

            ورد بالظواهر ، وبأنه إن كان واحدا ، رجح ، فإن تعذر وقف على قول .

            وتخير عند الشافعي وأحمد ، رحمهما الله .

            وإن تعدد ، فواضح .

            التالي السابق


            ش - المانعون من جواز التعبد بالقياس ، احتجوا بخمسة وجوه :

            الأول : أن القياس يفضي إلى الاختلاف ; لأن الأمارات [ ص: 148 ] متعددة . فيجوز أن يستنبط كل من المجتهدين أمارة ، يوجب إلحاق الفرع بأصل يخالف أصل الآخر .

            وما يفضي إلى الاختلاف يكون مردودا ; لقوله - تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .

            فإنه يدل على أن ما كان من عند الله ، لا اختلاف فيه ، والقياس فيه اختلاف ، فلا يكون من عند الله ، فلا يجوز التعبد به .

            أجاب بأن هذا الدليل منقوض بالعمل بالظاهر ; فإن فيه اختلافا مع أنه لا يكون مردودا .

            وبأن المراد بالاختلاف التناقض ، أو الاختلاف الذي يخل بالبلاغة ، فيكون معنى الآية أن القرآن لو كان من عند غير الله ، لوجدوا فيه تناقضا كثيرا ، أو وجدوا فيه اختلافا يخل بالبلاغة .

            وإنما وجب حمله على هذا ; لأن الاختلاف في الأحكام حاصل قطعا .

            الثاني : أنه إذا اختلف أقيسة المجتهدين ، فلا يخلو إما أن يكون كل مجتهد مصيبا ، أو لا .

            فإن كان الأول ، يلزم أن يكون الشيء ونقيضه حقا ، وهو محال .

            [ ص: 149 ] وإن لم يكن كل مجتهد مصيبا ، فتصويب أحد الظنين ، دون الآخر مع استواء الظنين ، محال; لامتناع الترجيح بلا مرجح .

            أجاب بالنقض ، فإن هذا الدليل بعينه جار في العمل بالظاهر ، مع جواز التعبد به .

            وبأنا لا نسلم لزوم كون الشيء ونقيضه حقا عند تصويب كل مجتهد ، وذلك لأن ما أفضى إليه اجتهاد كل مجتهد من الحكم ، لا يكون نقيضا لما أفضى إليه اجتهاد الآخر ; لأن شرط التناقض الاتحاد فيما عدا السلب والإيجاب .

            ويجوز أن يكون عند الاختلاف حكم الله - تعالى - في حق أحد المجتهدين : الحرمة ، وفي حق الآخر الإباحة ، أو الحرمة في زمان ، والإباحة في آخر .

            وإذا كان اجتهاد مجتهد واحد مختلفا ، فيكون الحرمة بالنسبة إلى شخص ، أو في زمان ، وعدم الحرمة بالنسبة إلى شخص آخر أو زمان آخر ، فلا يتحقق الاتحاد ، فلا يلزم التناقض ، وبأنا لا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجح عند تصويب أحد المجتهدين ، وذلك لأنا نحكم بتصويب أحد المجتهدين لا بعينه ، وتصويب أحدهما لا بعينه لا يستلزم الترجيح بدون مرجح .

            الثالث : أن مقتضى القياس لا يخلو إما أن يكون موافقا للنفي الأصلي ، أي البراءة الأصلية ، أو مخالفا له .

            [ ص: 150 ] فإن كان الأول ، يكون القياس مستغنى عنه ; لأن مقتضاه ثابت بالبراءة الأصلية ، وإن كان الثاني ، يكون القياس باطلا ; لأن النفي الأصلي متيقن ، والقياس مظنون ، والظن لا يعارض اليقين .

            أجاب بالنقض بالعمل بالظاهر ، وبأنه يجوز ترك النفي الأصلي لأجل العمل بالظن .

            الرابع : أن حكم الله - تعالى - يستلزم أن يخبر الله - تعالى - عنه ; لأن الحكم مفسر بخطاب الله - تعالى ، ويستحيل خبره عنه بغير التوقيف ، والحكم الثابت بالقياس لا يكون بالتوقيف ، فلا يكون حكم الله .

            أجاب بأن القياس نوع من التوقيف ; لأنه ثابت بالقرآن أو الإجماع .

            الخامس : أنه لو جاز العمل بالقياس ، لزم التناقض عند تعارض العلتين ; لأنه إذا تعارض العلتان في نظر المجتهد فإما أن يعمل بأحدهما دون الآخر ، فيلزم الترجيح من غير مرجح ، وإن عمل بهما ، يلزم التناقض .

            أجاب بالنقض بالعمل بالظاهر ، وبأنه إن كان المجتهد واحدا عند تعارض العلتين ، ترجح إحداهما على الأخرى ، فيعمل بالراجح ، [ ص: 151 ] وإن تعذر الرجحان ، توقف على قول ، ويخير في العمل بأيهما شاء عند الشافعي وأحمد .

            وإن تعدد المجتهدون فكل يعمل بما هو علة عنده ، ولا يلزم التناقض ، لما مر في الجواب عن الوجه الثاني .




            الخدمات العلمية