الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما إذا باعه دارا ، وقال : بعتك هذه الدار ، وأطلق ، فقد دخل في البيع ما اشتملت عليه الدار من بناء وسقوف وسفل وعلو وكل ما كان متصلا ببنيانها على التأبيد داخلا أو خارجا من الأبواب المنصوبة والأجنحة والميازيب .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : يدخل في البيع مع ذلك ما كان داخلا ولا يدخل فيه ما كان خارجا . ولأجله احترز الشرطيون في كتب الوثائق ، فقالوا : وكل حق هو لها داخل فيها وخارج منها .

                                                                                                                                            وهذا مذهب ظهر فساده ، بإجماع الكافة على خلافه ، وأن التعليل بالاتصال يوجب التسوية في الأمرين . وأما ما كان منفصلا عنهما من آلة وقماش ودلو وبكرة ، فكله خارج عن البيع .

                                                                                                                                            [ ص: 180 ] وقال زفر : كل ما كان في الدار من آلة وقماش ، لا يستغنى عنه فجميعه داخل في البيع ، ولأجله احترز الشرطيون في كتبهم ، فقال : وكل حق هو لها . وهذا أظهر فسادا من مذهب أبي حنيفة ، ولو جاز دخول هذا في البيع لجاز دخول ما في الدار من عبيد وإماء وماشية وطعام ، وما أحد قال بهذا تعليلا بالانفصال .

                                                                                                                                            وكذا كل ما كان منفصلا ، وكذا كل ما فصل من أدلة البناء ، من آجر وخشب فلم تستعمل ، أو كانت أبوابا فلم تنصب ، فكل ذلك خارج من البيع لانفصاله . فأما السلم ودرج الخشب فإن كانت مثبتة الطرفين دخل جميع ذلك في البيع لاتصاله بالبنيان ، وإن كانت منفصلة ترفع وتوضع لم تدخل في البيع لانفصالها عن البنيان .

                                                                                                                                            وكذا الرفوف فإن كانت مبنية أو مسمرة دخلت في البيع ، وإن كانت منفصلة لم تدخل في البيع ، وهكذا الإغلاق والإقفال ما كان منها منفصلا لم يدخل في البيع ، وما كان منها متصلا دخل في البيع ، وفي دخوله مفتاحه وجهان ، وهكذا كل ما كان منفصلا لا يمكن الانتفاع به ، إلا مع متصل بالدار ، ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي يدخل في البيع : لأنه تبع لمتصل .

                                                                                                                                            والثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لا يدخل في البيع : لأنه في نفسه منفصل .

                                                                                                                                            وكذا إذا كان المبيع دكانا عليه دربات تغلق بها يريد به ألواح الدكان فما كان متصلا منها بالحائط من الجنبين يدخل في البيع لاتصاله ، وفي دخول الألواح المنفصلة وجهان ، وكذا التثور المبني داخل في المبيع ، وفي دخول رأسه وجهان .

                                                                                                                                            وهكذا السفينة يدخل في البيع من آلتها ما كان متصلا ، وفي دخول ما لا يستغنى عنه من آلتها المنفصلة وجهان .

                                                                                                                                            فأما الحباب المدفونة فإن كان دفنها للانتفاع بها على التأبيد كحباب الزياتين ، والبرازين ، والدهانين دخلت في البيع ، وإن كان دفنها استيداعا لها في الأرض لم تدخل في البيع ، كما يدخل في البيع من حجارة الأرض ما كان مبنيا ، ولا يدخل فيه ما كان مستودعا .

                                                                                                                                            فأما إن اتصل بالدار حجرة أو ساحة أو رحبة لم تدخل في البيع : لخروج ذلك عن حدود الدار التي لا تمتاز الدار عن غيرها إلا بها ، ولا يصح العقد إلا بذكرها ، وهي أربعة حدود في الغالب ، فإن استوفى ذكرها صح البيع ، وإن ذكر منها حدا أو حدين لم يصح البيع ، وإن ذكر منها ثلاثة حدود وأغفل الرابع ، فإن كانت الدار لا تتميز بذكر الحدود الثلاثة بطل البيع ، وإن تميزت بذكر الحدود الثلاثة ، فالصحيح أن البيع صحيح لحصول الامتياز ، وفيه لبعض أصحابنا وجه آخر : أن البيع بإغفال ذكره باطل .

                                                                                                                                            فأما إن اتصل بالدار ساباط على حائط من حدودها ، فقد اختلف أصحابنا في دخوله في البيع مع الإطلاق على ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            [ ص: 181 ] أحدها : أنه لا يدخل في البيع ، كما لا تدخل الحجرة المتصلة بالدار .

                                                                                                                                            والثاني : يدخل في البيع كما يدخل فيه الأجنحة والميازيب .

                                                                                                                                            والوجه الثالث : وهو تخريج أبي الغياض أن تعتبر حال الأجذاع من الطرفين ، فإن كان كل واحد من الطرفين مطروحا على حائط لهذه الدار دخل الساباط في البيع لأن جميعه تبع ، وإن كان أحد الطرفين مطروحا على حائط لغير هذه الدار لم يدخل في البيع لأن جميعه ليس بمبيع .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية