الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " فإذا أجازه صلى الله عليه وسلم بصفة مضمونا إلى أجل كان حالا أجوز ، ومن الغرر أبعد فأجازه عطاء حالا " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال . يجوز عقد السلم حالا ومؤجلا . وقال مالك ، وأبو حنيفة : لا يجوز السلم حالا حتى يكون مؤجلا ، إلا أن أبا حنيفة يقول : يجوز إلى كل أجل قل أو كثر ، وقال مالك : لا يجوز الأجل فيه أقل من ثلاثة أيام .

                                                                                                                                            واستدلا على أن الأجل من شرطه بحديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، وأجل معلوم " . فجعل الأجل فيه شرطا ، ولأن عقد السلم يجمع ثمنا ومثمنا ، فلما كان الثمن لا يقع إلا على وجه واحد ، وهو التعجيل ، اقتضى أن يكون المثمن لا يقع إلا على وجه واحد وهو التأجيل .

                                                                                                                                            وتحريره قياسا أنه أحد بدلي المسلم فوجب ألا يقع على وجه واحد كالثمن : ولأن عقد السلم كعقد الإجارة : لأن كل واحد منهما عقد على ما لا يملكه العاقد في الحال ، ثم أثبت أن الأجل شرط في عقد الإجارة ، فوجب أن يكون شرطا في عقد السلم .

                                                                                                                                            وتحريره قياسا أنه عقد ليس من شرطه وجود المعقود عليه في ملك عاقده ، فوجب أن يكون الأجل من شرطه كالإجارة ، ولأن عقد السلم موضوع على ارتفاق العاقدين به ، وارتفاق المشتري باسترخاصه ، وارتفاق البائع بتأخيره ، فإذا عقد حالا زال وضع حق حمل البائع به ، فبطل لخروجه عن موضوعه ، ولأن السلم إنما سمي سلما لاختصاصه بتأجيل المثمن ، وتسليم الثمن ، فلم يجز أن يعدل به عما وضع الاسم له .

                                                                                                                                            والدلالة على جوازه حالا قوله تعالى وأحل الله البيع [ البقرة : 275 ] ولأنه عقد معاوضة محضة ، فجاز أن يصح مؤجلا ومعجلا كالبيع ، ولأن عقد البيع يتنوع نوعين : بيع عين ، وبيع صفة ، فلما صحت بيوع الأعيان حالة ، وجب أن يصح بيوع الصفات حالة .

                                                                                                                                            وتحريره قياسا : أنه أحد نوعي البيع فوجب أن يصح حالا كبيوع الأعيان : ولأن الثمن في بيوع الأعيان مؤجلا ومعجلا جاز أن يكون المثمن في بيع الصفات مؤجلا ومعجلا ، وتحريره قياسا أن ما تعلق بالذمة من عقد المعاوضة دخله التعجيل والتأجيل كالثمن ، ولأنها مدة ملحقة بعد معاوضة محضة ، فوجب ألا يكون شرطا فيه كالخيار وكالأجل في بيوع الأعيان ، ولأنه عقد معلوم ليس من شرطه التنجيم فوجب ألا يكون من شرطه التأجيل [ ص: 396 ] كالنكاح ، ولما ذكره الشافعي في أن الأجل غرر ، فلما جاز السلم مؤجلا مع ما فيه من الغرر ، كان حالا أجوز : لأنه من الغرر أبعد .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم : إلى أجل معلوم فهو محمول على سببه المنقول عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلمون في الثمر السنتين والثلاث ، فقال : من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، وأجل معلوم .

                                                                                                                                            فيكون تقرير ذلك فمن أسلم في مكيل فليكن الكيل معلوما ، ومن أسلم في موزون فليكن الوزن معلوما ، ومن أسلم في مؤجل فليكن الأجل معلوما يدل على ذلك من الحديثين :

                                                                                                                                            أحدهما : جواز السلم فيما ليس بمكيل ولا بموزون في العدد المزروع ، ولم يكن الكيل والوزن شرطا في كل سلم ، كذلك يجوز في غير المؤجل ، ولا يكون الأجل شرطا في كل سلم .

                                                                                                                                            والثاني : أنه جمع بين الحدين الكيل والوزن ، واجتماعهما ليس بشرط ، كذلك ضم الأجل إليهما ليس بشرط .

                                                                                                                                            وأما قولهم : إنه أحد بدلي السلم فكان على جهة واحدة كالثمن ، فلا يصح : لأنه رد الفرع إلى الأصل ، لأن الثمن لا يدخله الأصل .

                                                                                                                                            والمراد بهذا القياس أن يلزم في المثمن الأجل ، وهذا لا يصح ، ثم يقول : الثمن في السلم في مقابلة المثمن في بيوع الأعيان لاستحقاق تعجيلها وسقوط الأجل فيها ثم كان ما في مقابلة العين من المثمن يصح أن يكون مؤجلا ومعجلا ، وجب أن يكون ما في مقابلة الثمن في السلم يصح أن يكون مؤجلا ومعجلا ، وأما قياسهم على الإجارة ، فالإجارة على ضربين : تكون المنفعة فيها مقدرة بغير مدة فهذه الإجارة تجوز حالا ومؤجلة ، فإن ردوه إليها لم يصح ، وضرب تكون المنفعة فيها لا تتقدر إلا بالمدة فلا بد من شرط المدة فيها لتصير المنفعة مقدرة فيها ، ولا يصح رد السلم إليها : لأن السلم لما تقدر بغير مدة لم يلزم فيه اشتراط المدة .

                                                                                                                                            وأما قولهم : إن موضوع السلم ارتفاق المتعاقدين به في إسقاط الأجل إبطال موضوعه فهذه حجة تقلب عليهم ، فيقال : لما كان ما وضع له السلم من رفق المشتري بالاسترخاص ليس بشرط في صحة السلم ، حتى لو أسلم دينارا فيما يساوي درهما جاز ، وجب أن يكون ما وضع له من رفق البائع بالأجل ليس بشرط في صحة السلم ، ولو أسلم حالا جاز ، وأما قولهم : إنه إنما اختص باسم السلم لاستحقاق الأجل فدعوى غير مسلم ، بل سمي سلما لاستحقاق تسليم جميع الثمن .

                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت جواز السلم حالا ومؤجلا فقد اختلف أصحابنا هل الأصل فيه التأجيل والحلول رخصة ، أو الأصل فيه الحلول والتأجيل رخصة ؛ على ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            [ ص: 397 ] أحدها : أن الأصل فيه التأجيل لانعقاد الإجماع على جوازه ، والحلول رخصة فيه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن الأصل فيه الحلول لانتفاء الغرر فيه ، والتأجيل رخصة .

                                                                                                                                            والوجه الثالث : أن الأمرين فيه سواء ، وليس أحدهما أن يكون أصلا بأولى من الآخر لقيام الدلالة عليهما ، وجواز السلم معهما ، ولهذا الخلاف تأثير نذكره من بعد إن شاء الله تعالى :

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية