الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2712 2713 ص: فإن قال قائل : إنما كان إباحة دباغ جلود الميتة وطهارتها بذلك الدباغ إنما كان قبل تحريم الميتة . [ ص: 190 ] فإن الحجة عليه في ذلك والدليل -على أن ذلك كان بعد تحريم الميتة وأن هذا كان غير داخل فيما حرم منها- أن ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا المقدمي ، قال : ثنا أبو عوانة ، قال : ثنا سماك بن حرب . (ح).

                                                وحدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : ثنا يوسف بن عدي ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " ماتت شاة لسودة بنت زمعة ، فقالت : يا رسول الله ماتت فلانة -تعني الشاة - قال : فلولا أخذتم مسكها ، فقالت : يا رسول الله نأخذ مسك شاة قد ماتت ؟! فقال النبي - عليه السلام - : إنما قال الله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية ، فإنه لا بأس أن تدبغوه فتنتفعوا به ، قالت : فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت " .

                                                ففي هذا الحديث أن النبي - عليه السلام - لما سألته عن ذلك قرأ عليها الآية التي نزل فيها تحريم الميتة ، فأعلمها بذلك أن ما حرم عليهم بتلك الآية من الشاة حين ماتت إنما هو الذي يطعم منها إذا ذكيت لا غيره ، وأن الانتفاع بجلودها إذا دبغت غير داخل في ذلك الذي حرم منها .

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال : لا نسلم أن إباحة جلود الميتات وطهارتها بالدباغ مطلق ، بل إنما كان ذلك قبل أن يحرم الله تعالى الميتات ، فلما حرم الله الميتات حرم كل شيء منها وكل جزء من أجزائها بتحريم أصلها .

                                                وأجاب عنه بقوله : "فإن الحجة عليه في ذلك " أي فإن الحجة وأراد بها الجواب على القائل المذكور فيما قاله .

                                                قوله : "والدليل " بالنصب ، عطف على قوله : "فإن الحجة أي وإن الدليل على أن ذلك كان قبل تحريم الميتة ، "وأن جلد الميتة غير داخل فيما حرم منها " أي من الميتة .

                                                وقوله : "أن ابن أبي داود " خبر لقوله : "أن ذلك " . [ ص: 191 ] بيان ذلك : أن حديث عكرمة عن ابن عباس يخبر أن النبي - عليه السلام - لما سألته ميمونة - رضي الله عنها - عن جلد تلك الشاة الميتة ، قرأ - عليه السلام - عليها الآية التي بين فيها تحريم الميتة ، وهي قوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية ، فأعلمها - عليه السلام - بذلك أن الذي حرم عليهم بتلك الآية إنما هو الذي يؤكل منها لا غيره ، وأن الانتفاع بجلودها إذا دبغت غير داخل في الذي حرم منها ، وكذلك حكم صوفها وشعرها ووبرها وقرنها وظلفها وحافرها وعظمها ، فإن هذه الأشياء كلها لا تدخل فيما يطعم ، وفي العصب . روايتان عن أصحابنا .

                                                ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين .

                                                الأول : عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري شيخ الشيخين ، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن سماك بن حرب بن أوس روى له الجماعة البخاري مستشهدا ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه " : من طريق أبي عوانة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : "ماتت شاة لسودة . . . " إلى آخره نحو رواية الطحاوي ، غير أن في لفظه : "وأنكم لا تطعمونه ، إنما تدبغونه فتنتفعون به ، فأرسلت إليها . . . " إلى آخره .

                                                والثاني : عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث ، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري ، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي روى له الجماعة عن سماك ، عن عكرمة .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده " نحوه ، وقال الذهبي في تنقيح "سنن البيهقي " عقيب هذا الحديث . [ ص: 192 ] قلت : صحيح .

                                                قوله : "ماتت فلانة " قد ذكر أهل العربية أن فلانا وفلانة وأبو فلان وأم فلان كنايات عن أسامي الأناسي وكناهم ، وأنها قد تجيء كنايات عن أعلام البهائم أيضا ، وقال الزمخشري : وإذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام ، فقالوا : الفلان والفلانة .

                                                قلت : لا شك أن فلانة ها هنا كناية عن علم شاة لميمونة ، ولكنها ذكرتها مجردة عن اللام " .

                                                قوله : "فلولا " كلمة "لولا " ها هنا للتحضيض كما في قوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة والتحضيض : الترغيب في فعل الشيء ، أو التحذير من تركه .

                                                قوله : "مسكها " بفتح الميم أي جلدها .

                                                قوله : "فإنه لا بأس " أي فإن الشأن لا حرج عليكم بأن تدبغوا جلدها .



                                                الخدمات العلمية