الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2796 2797 2798 2799 2800 2801 2802 2803 ص: وقالوا : أما قيام النبي - عليه السلام - لجنازة اليهودي في الحديث الذي رواه قيس بن سعد وسهل بن حنيف ; فإن ذلك لم يكن من النبي - عليه السلام - لأن من حكم الجنائز أن يقام لها ، ولكن كان لمعنى غير ذلك ، وذكروا في ذلك ما حدثنا [ ص: 286 ] ابن مرزوق ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، قال : سمعت محمد بن علي بن حسين ، يحدث عن الحسن ، وابن عباس - رضي الله عنهم - أو عن أحدهما : " أن رسول الله - عليه السلام - مرت به جنازة يهودي فقام ، فقال : آذاني ريحها " . فدل هذا الحديث على أن قيامه كان لما آذاه ريحها ليتباعد عنه لا لغير ذلك ، وأما ما روي من قيامه لجنازة المسلم فإنما كان ليصلي عليها .

                                                حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا عبد الله بن نمير ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن : " أن العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي - رضي الله عنهم - مرت بهما جنازة ، فقام العباس ولم يقم الحسن ، فقال العباس 5 للحسن : أما علمت أن رسول الله - عليه السلام - مرت عليه جنازة فقام ؟ فقال : نعم . وقال الحسن 5 للعباس : أما علمت أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي عليها ؟ قال : نعم " . .

                                                فدل هذا الحديث أن قيام رسول الله - عليه السلام - ذلك إنما كان ليصلي عليها ، لا لأن من سنتها أن يقام لها ، وأما ما ذكر من أمر رسول الله - عليه السلام - من القيام للجنازة ومن ترك القعود إذا تبعت حتى توضع ; فإن ذلك قد كان ثم نسخ .

                                                حدثنا يونس ، قال : أنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن واقد بن عمرو ، عن نافع بن جبير ، عن مسعود بن الحكم ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : " قام رسول الله - عليه السلام - مع الجنازة حتى توضع ، وقام الناس معه ، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود " .

                                                حدثنا يونس وبحر ، قالا : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني أسامة بن زيد الليثي ، أن محمد بن عمرو بن علقمة ، حدثه عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن نافع ، عن مسعود بن الحكم الزرقي ، عن علي ، - رضي الله عنه - ، عن النبي - عليه السلام - ، مثله .

                                                حدثنا يونس ، قال : أخبرني أنس بن عياض ، عن محمد بن عمرو ، عن واقد بن عمرو ، عن نافع بن جبير ، عن مسعود بن الحكم ، أنه قال : سمعت عليا - رضي الله عنه - يقول : " أمرنا رسول الله - عليه السلام - بالقيام في الجنازة ، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس " . [ ص: 287 ] حدثنا فهد ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : أنا محمد بن جعفر ، عن موسى بن عقبة ، عن إسماعيل بن مسعود بن الحكم الزرقي ، عن أبيه ، قال : " شهدت جنازة بالعراق ، فرأينا رجالا قياما ينتظرون أن توضع ، ورأيت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يشير إليهم أن اجلسوا ; فإن النبي - عليه السلام - قد أمر بالجلوس . بعد القيام " .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا وهب ، قال : ثنا شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن مسعود بن الحكم ، عن علي - رضي الله عنه - قال : " رأينا رسول الله - عليه السلام - قام فقمنا ، ورأيناه قعد فقعدنا " . .

                                                فثبت بما ذكرنا أن القيام للجنازة قد كان ثم نسخ .

                                                التالي السابق


                                                ش: لما كان المذكور في الأحاديث السابقة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى ثلاثة أشياء :

                                                أحدها : قيام النبي - عليه السلام - لجنازة اليهودي .

                                                والثاني : قيامه لجنازة المسلم .

                                                والثالث : أمره - عليه السلام - بالقيام للجنازة وترك القعود إذا تبعت حتى توضع .

                                                وخالف هذه كلها أهل المقالة الثانية ; أجابوا عنها واحدا واحدا ، وقالوا : أما قيام النبي - عليه السلام - لجنازة اليهودي فلم يكن لكون أن من حكم الجنائز أن يقام لها البتة ، وإنما كان ذلك لمعنى مذكور في حديث الحسن بن علي وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - .

                                                أخرجه بإسناد صحيح .

                                                عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، عن عبد الملك بن جريج المكي ، عن محمد بن علي بن الحسين أبي جعفر الباقر ، عن الحسن بن علي وعبد الله بن عباس - أو عن أحدهما : "أن رسول الله - عليه السلام - مرت به جنازة يهودي فقام ، فقال : آذاني ريحها " . [ ص: 288 ] وأخرجه ابن شاهين أيضا . فدل هذا أن قيامه لجنازة اليهودي كان لأجل أن ريحها آذاه فقام ليتباعد عنه ، ولم يكن قيامه لها لغير ذلك المعنى ، هذا الذي ذكره الطحاوي عنهم ، وفي نفسي منه شيء ; وذلك لأن النبي - عليه السلام - علل القيام لها بقوله : "أليس ميتا أوليس نفسا " فالذي يظهر منه أن العلة للقيام لها هي كونه نفسا ، مع قطع النظر عن كونها مجوسيا أو مسلما ، وذلك كما علل القيام أيضا في حديث جابر بن عبد الله بقوله : "إن الموت فزع " فالذي يظهر منه أن العلة للقيام لها : هي كون الموت فزعا وخوفا ، فهذا أيضا معنى يرجع إلى غير الميت ، ويستوي في ذلك المسلم وغيره .

                                                وقالوا : أما قيامه - عليه السلام - لجنازة المسلم فلم يكن إلا ليصلي عليها لا لأن من سنتها القيام لها .

                                                واحتجوا على ذلك بما أخرجه بإسناد رجاله ثقات : عن محمد بن عمرو بن يونس الثعلبي ، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي روى له الجماعة ، عن سعيد بن أبي عروبة روى له الجماعة ، عن قتادة ، عن الحسن البصري : "أن العباس والحسن بن علي - رضي الله عنهم - . . . " والحسن البصري لم يدرك عباسا ، ورأى عليا ولم يسمع منه ، وقال ابن حبان : خرج الحسن من المدينة ليالي صفين ولم يلق عليا .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وفي روايته : عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس والحسن بن علي - رضي الله عنهم - ، وقال : ثنا الثقفي ، عن أيوب ، عن محمد ، عن الحسن بن علي وابن عباس : "أنهما رأيا جنازة فقام أحدهما وقعد الآخر ، فقال الذي قام للذي لم يقم : ألم يقم رسول الله - عليه السلام - ؟ قال : بلى ، ثم قعد " .

                                                وكذا رواية أحمد في مسنده : ثنا عفان ، ثنا يزيد -يعني ابن إبراهيم- وهو التستري ، نا محمد قال : "نبئت أن جنازة مرت على الحسن بن علي وابن عباس [ ص: 289 ] - رضي الله عنهم - ، فقام الحسن وقعد ابن عباس ، فقال الحسن لابن عباس : ألم تر أن النبي - عليه السلام - مرت به جنازة فقام ؟ فقال ابن عباس : بلى وقد جلس ، فلم ينكر الحسن ما قال ابن عباس - رضي الله عنهم - " .

                                                وأخرجه النسائي أيضا .

                                                وقالوا : أما ما ذكر من أمر النبي - عليه السلام - من القيام للجنازة ، ومن ترك القعود إذا تبعت حتى توضع ، فإنه منسوخ ; قد كان رسول الله - عليه السلام - يفعل ذلك ثم تركه .

                                                قال أبو عمر : قال الشافعي : القيام لها منسوخ .

                                                وقال ابن شاهين : لما جاءت الأخبار التي يخبر فيها علة القيام ، والأخبار التي فيها النهي عنه ثبت أن القيام منسوخ .

                                                وقال ابن عبد البر : جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة ، وجاءت أيضا آثار صحاح ناسخة لذلك .

                                                ومن جملة الأحاديث الناسخة حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأخرجه من خمس طرق صحاح :

                                                الأول : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن واقد بن عمرو بن سعد المدني من رجال مسلم ، عن نافع بن جبير بن مطعم المدني روى له الجماعة ، عن مسعود بن الحكم بن الربيع الأنصاري الزرقي المدني ولد على عهد النبي - عليه السلام - روى له الجماعة .

                                                وهذا الحديث أخرجه الجماعة غير البخاري .

                                                فقال مسلم : حدثني محمد بن مثنى وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر جميعا ، عن الثقفي -قال ابن المثنى : حدثنا عبد الوهاب- قال : سمعت يحيى بن سعيد [ ص: 290 ] قال : أخبرني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاري ، أن نافع بن جبير أخبره ، أن مسعود بن الحكم الأنصاري أخبره ، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول في شأن الجنائز : "إن رسول الله - عليه السلام - قام ثم قعد " .

                                                وقال أبو داود : حدثنا القعنبي ، عن مالك . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي سندا ، ومتنه : "أن رسول الله - عليه السلام - قام في الجنائز ثم قعد " .

                                                وقال الترمذي : ثنا قتيبة ، قال : ثنا الليث ، عن يحيى بن سعيد . . . إلى آخره ولفظه : عن علي بن أبي طالب : "أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع ، قال علي : قام رسول الله - عليه السلام - ثم قعد " .

                                                قال أبو عيسى : حديث علي حديث حسن صحيح وفيه رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض .

                                                وقال : النسائي : أنا محمد بن منصور ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر قال : "كنا عند علي - رضي الله عنه - فمرت به جنازة فقاموا لها ، فقال علي - رضي الله عنه - : ما هذا ؟ قالوا : أمر أبي موسى ، فقال : إنما قام النبي - عليه السلام - لجنازة يهودية ، ولم يعد بعد ذلك .

                                                وقال ابن ماجه : ثنا علي بن محمد ، نا وكيع ، عن شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن مسعود بن الحكم ، عن علي بن أبي طالب قال : "قام رسول الله - عليه السلام - لجنازة فقمنا ، ثم جلس فجلسنا " .

                                                الثاني : عن يونس بن عبد الأعلى أيضا وبحر بن نصر بن سابق الخولاني المصري ، كلاهما عن عبد الله بن وهب المصري ، عن أسامة بن زيد الليثي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن واقد . . . إلى آخره . [ ص: 291 ] وأخرجه البيهقي من حديث ابن وهب ، أنا أسامة بن زيد ، أن محمد بن عمرو بن علقمة ، حدثه عن واقد بن عمرو ، عن نافع ، عن مسعود ، عن علي - رضي الله عنه - : "قام رسول الله - عليه السلام - مع الجنائز حتى توضع ، وقام الناس معه ، ثم قعد بعد ذلك اليوم ، وأمرهم بالقعود " .

                                                الثالث : عن يونس أيضا ، عن أنس بن عياض بن ضمرة الليثي المدني شيخ الشافعي ، عن محمد بن عمرو . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه العدني في "مسنده " نحوه .

                                                الرابع : عن فهد بن سليمان ، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري ، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني ، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني ، عن إسماعيل بن مسعود بن الحكم ، عن أبيه مسعود . . . إلى آخره .

                                                ورجاله ثقات ، وإسماعيل هذا وثقه ابن حبان .

                                                وأخرجه البزار في مسنده : ولكن في روايته يوسف بن مسعود بن الحكم عوض إسماعيل ، فقال : ثنا محمد بن مرزوق ، قال : ثنا عبد الملك بن عمرو ، قال : ثنا أبو مصعب ، عن موسى بن عقبة ، عن يوسف بن مسعود بن الحكم ، عن أبيه : "أنه شهد جنازة بالكوفة مع علي - رضي الله عنه - ، فمر علي بالناس وهم قيام ، فأشار إليهم أن اجلسوا ; فإن رسول الله - عليه السلام -أحسبه- قد كان يقوم ثم قعد " .

                                                وقد روى هذا الحديث ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن يوسف بن مسعود بن الحكم ، عن أبيه ، عن علي ، عن النبي - عليه السلام - .

                                                الخامس : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن مسعود بن الحكم . . . إلى آخره . [ ص: 292 ] وأخرجه ابن ماجه نحوه وقد ذكرناه .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه " : ثنا وكيع ، عن شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن مسعود بن الحكم ، قال : قال علي - رضي الله عنه - : "قام رسول الله - عليه السلام - للجنازة فقمنا ، ثم جلس فجلسنا " .




                                                الخدمات العلمية