الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي بَابُ الرَّهْنِ يُوضَعُ عَلَى يَدِ الْعَدْلِ ( قَالَ وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى وَضْعِ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ الْعَدْلِ جَازَ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ) ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ; لِأَنَّ يَدَ الْعَدْلِ يَدُ الْمَالِكِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فَانْعَدَمَ الْقَبْضُ وَلَنَا أَنَّ يَدَهُ عَلَى الصُّورَةِ يَدُ الْمَالِكِ فِي الْحِفْظِ ; إذْ الْعَيْنُ أَمَانَةٌ ، وَفِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ ; لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ ضَمَانٍ وَالْمَضْمُونُ هُوَ الْمَالِيَّةُ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الشَّخْصَيْنِ تَحْقِيقًا لِمَا قَصَدَاهُ مِنْ الرَّهْنِ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي حِفْظِ الْعَيْنِ كَالْمُودَعِ قَالَ ( وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الرَّاهِنِ فِي الْحِفْظِ بِيَدِهِ وَأَمَانَتِهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ اسْتِيفَاءً فَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا إبْطَالَ حَقِّ الْآخَرِ ( فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ ) ; لِأَنَّ يَدَهُ فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ وَهِيَ الْمَضْمُونَةُ ( وَلَوْ دَفَعَ الْعَدْلُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ ) ; لِأَنَّهُ مُودَعُ الرَّاهِنِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ وَمُودَعُ الْمُرْتَهِنِ فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ وَأَحَدُهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْآخَرِ ، وَالْمُودَعُ يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ ( وَإِذَا ضَمِنَ الْعَدْلُ قِيمَةَ الرَّهْنِ بَعْدَ مَا دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ الْمَدْفُوعُ عَلَيْهِ أَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ الْقِيمَةَ رَهْنًا فِي يَدِهِ ) ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ ، لَكِنْ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَاهَا مِنْهُ وَيَجْعَلَاهَا رَهْنًا عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَلَوْ تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا يَرْفَعُ أَحَدُهُمَا إلَى الْقَاضِي لِيَفْعَلَ كَذَلِكَ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَضَى الرَّاهِنُ الدَّيْنَ وَقَدْ ضَمِنَ الْعَدْلُ الْقِيمَةَ بِالدَّفْعِ إلَى الرَّاهِنِ فَالْقِيمَةُ سَالِمَةٌ لَهُ لِوُصُولِ الْمَرْهُونِ إلَى الرَّاهِنِ وَوُصُولِ الدَّيْنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَا يَجْتَمِعُ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ ( وَإِنْ كَانَ ضَمِنَهَا بِالدَّفْعِ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَالرَّاهِنُ يَأْخُذُ الْقِيمَةَ مِنْهُ ) ; لِأَنَّ الْعَيْنَ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِهِ يَأْخُذُهَا إذَا أَدَّى الدَّيْنَ ، فَكَذَلِكَ يَأْخُذُ مَا قَامَ مَقَامَهَا ، وَلَا جَمْعَ فِيهِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فتح القدير ( بَابُ الرَّهْنِ يُوضَعُ عَلَى يَدِ الْعَدْلِ ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْكَامِ الرَّاجِعَةِ إلَى نَفْسِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْأَحْكَامَ الرَّاجِعَةَ إلَى نَائِبِهِمَا وَهُوَ الْعَدْلُ لِمَا أَنَّ حُكْمَ النَّائِبِ يَقْفُو حُكْمَ الْأَصْلِ ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ هَا هُنَا مَنْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِوَضْعِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ قَيْدًا آخَرَ حَيْثُ قَالَا : وَرَضِيَا بِبَيْعِهِ الرَّهْنَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ أَقُولُ : لَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَإِلَّا فَرِضَاهُمَا بِبَيْعِهِ الرَّهْنَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَيْسَ بِأَمْرٍ لَازِمٍ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ وَعَنْ هَذَا قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي : لَيْسَ لِلْعَدْلِ بَيْعُ الرَّهْنِ مَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ فَحَسْبُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي حِفْظِ الْعَيْنِ كَالْمُودَعِ ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : يُشِيرُ إلَى دَفْعِ مَا عَسَى أَنْ يُقَالَ كَمَا أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الرَّاهِنِ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْ الْمُرْتَهِنِ فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ ، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ فَلِمَ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَدْلَ يَضْمَنُ لِلْمُسْتَحِقِّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ، وَالْغَصْبُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ دُونَ الْمَالِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ سَاقِطٌ ; لِأَنَّ الْخَصْمَ لَيْسَ بِقَائِلٍ بِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ أَقُولُ : هَذِهِ الْعِلَاوَةُ الَّتِي زَادَهَا الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ عَدَمَ قَوْلِ الْخَصْمِ بِذَلِكَ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ السُّؤَالِ الْمُتَّجَهِ عَلَى أَصْلِنَا ; إذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَوَجَّهَ السُّؤَالُ مِنْ قِبَلِ الْخَصْمِ ، وَعَنْ هَذَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ : لَيْسَ لِلسَّائِلِ مَذْهَبٌ ، وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يُورِدَ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ عَلَيْنَا بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ بِمَا هُوَ مُسَلَّمٌ عِنْدَنَا لَا بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُ فَالْجَوَابُ الْحَقُّ عَنْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَا غَيْرُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ : أَيْ جَعَلَ الْقِيمَةَ فِي يَدِ الْعَدْلِ هُنَا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : فِيهِ بَحْثٌ ، بَلْ الْمُرَادُ إذَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا بِرَأْيِهِمَا أَوْ بِرَأْيِ الْقَاضِي عِنْدَ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ انْتَهَى أَقُولُ : إنْ كَانَ وَجْهُ بَحْثِهِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ لَمَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا بِرَأْيِهِمَا : أَيْ بِرَأْيِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ ، مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ أَيْضًا كَذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَتَحَقَّقُ الْعُمُومُ لِذَلِكَ بَلْ يَخْتَصُّ بِمَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا بِرَأْيِ الْقَاضِي لَوْ كَانَ لَفْظُ جَعَلَ فِي عِبَارَةِ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَلَفْظُ فَعَلَ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ مُبَيِّنًا لِلْفَاعِلِ ، وَكَانَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ رَاجِعًا إلَى الْقَاضِي ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَكَانَ لَفْظُ الْقِيمَةِ فِي عِبَارَةِ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ قَائِمًا مَقَامَ الْفَاعِلِ فَيَتَحَمَّلُ الْعُمُومَ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ بَحْثِهِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ لَمَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا فِي يَدِ غَيْرِ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ فَأَمْرُهُ هَيِّنٌ ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَدَمُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أَنْ جُعِلَتْ الْقِيمَةُ بَعْدَ الضَّمَانِ رَهْنًا فِي يَدِ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ أَنْ جُعِلَتْ رَهْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَوَّلِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية