الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث ) سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء ، لأن في التنقيص صلة القريب بترك ما له عليهم ، بخلاف استكمال الثلث ، [ ص: 428 ] لأنه استيفاء تمام حقه فلا صلة ولا منة ، ثم الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها ؟ قالوا : إن كانت الورثة فقراء ولا يستغنون بما يرثون فالترك أولى لما فيه من الصدقة على القريب .

وقد قال عليه الصلاة والسلام { أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح } ولأن فيه رعاية حق الفقراء والقرابة جميعا ، [ ص: 429 ] وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم فالوصية أولى لأنه يكون صدقة على الأجنبي ، والترك هبة من القريب والأولى أولى لأنه يبتغي بها وجه الله تعالى . وقيل في هذا الوجه يخير لاشتمال كل منهما على فضيلة وهو الصدقة والصلة فيخير بين الخيرين . قال ( والموصى به يملك بالقبول ) خلافا لزفر ، وهو أحد قولي الشافعي . هو يقول : الوصية أخت الميراث ، إذ كل منهما خلافة لما أنه انتقال ، ثم الإرث يثبت من غير قبول فكذلك الوصية .

ولنا أن الوصية إثبات ملك جديد ، ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ، ولا يرد عليه بالعيب ، ولا يملك أحد إثبات الملك لغيره إلا بقبوله ، أما الوراثة فخلافة حتى يثبت فيها هذه الأحكام فيثبت جبرا من الشرع من غير قبول .

قال ( إلا في مسألة واحدة وهي أن يموت الموصي ثم يموت الموصى له قبل القبول فيدخل الموصى به في ملك ورثته ) استحسانا ، والقياس أن تبطل الوصية لما بينا أن الملك موقوف على القبول فصار كموت المشتري قبل قبوله بعد إيجاب البائع .

وجه الاستحسان أن الوصية من جانب الموصي قد تمت بموته تماما لا يلحقه الفسخ من جهته ، وإنما توقفت لحق الموصى له ، فإذا مات دخل في ملكه كما في البيع المشروط فيه الخيار إذا مات قبل الإجازة .

التالي السابق


( قوله ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء ، لأن في التنقيص صلة القريب بترك ماله عليهم ) أقول : لقائل أن يقول : كما أن في التنقيص صلة القريب كذلك في التكميل [ ص: 428 ] صدقة على الأجنبي ، وفيما إذا كانت الورثة أغنياء كانت الصلة لهم هبة منهم ، فالصدقة أولى من الهبة كما سيجيء التصريح به في تعليل كون الوصية بدون الثلث أولى من تركها فيما إذا كانت الورثة أغنياء أو يستغنون بنصيبهم ، فينبغي أن يكون التكميل أيضا أولى من التنقيص فيما إذا كانت الورثة أغنياء لتلك العلة فما وجه التعميم هنا . والجواب أن في التنقيص أصل صلة القريب لا زيادتها ، وفي التكميل زيادة الصدقة لا أصلها لتحقق أصلها بما دون الثلث بدون التكميل ، ففي اختيار التكميل تفويت صلة القريب عن أصلها : أي بالكلية ، وليس في التنقيص تفويت الصدقة بالكلية بل فيه تفويت بعضها ، فكان في اختيار التنقيص العمل بالفضيلتين معا فضيلة الصدقة وفضيلة صلة القريب ، وفي اختيار التكميل العمل بفضيلة واحدة فقط وهي فضيلة الصدقة ولا ريب أن العمل بهما معا أولى من العمل بأحدهما فقط .

( قوله ثم الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها ) أقول : ولقائل أن يقول : قد حكم فيما مر آنفا بأن الوصية بدون الثلث مستحبة سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء ، ولا شك أن المستحب هو الذي كان فعله أولى من تركه فما معنى الترديد هنا بأن الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها والتفصيل بقوله قالوا إن كانت الورثة فقراء إلخ ، والجواب أن الاستحباب في قوله سابقا ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث ليس بناظر إلى قوله أن يوصي الإنسان بل إلى قوله بدون الثلث : أي مصب الإفادة في ذلك الكلام قيده لا نفسه ، فمآل معناه إلى أن التنقيص عن الثلث في الوصية مستحب مطلقا ، وهذا إنما يقتضي أن يكون التنقيص من الثلث في الوصية أولى من التكميل مطلقا ولهذا قال المصنف في تعليله : لأن في التنقيص صلة القريب بترك ماله عليهم ، وهذا المعنى لا ينافي أن يكون ترك الوصية بالكلية أولى من التنقيص عن الثلث أيضا في بعض الصور ، فبين المصنف ذلك بما قالوا : إن كانت الورثة فقراء ولا يستغنون بما يرثون فتركها بالكلية أولى ، وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم فالوصية أولى ، فلم يكن ترديده وتفصيله هاهنا مخالفا لما سبق آنفا ، بل كان بملاحظة ذلك ورعايته على حاله ، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام .

( قوله لما فيه من الصدقة على القريب ، وقد قال عليه الصلاة والسلام { أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح } ) والكاشح : العدو الذي أبدى كشحه ، وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع . وقيل الكاشح : هو الذي أضمر العداوة في كشحه . وإنما جعل هذا التصدق أفضل لأن في التصدق عليه مخالفة النفس وقهرها ، كذا في العناية وغيرها . أقول : فيه شيء ، وهو أن الحديث حينئذ إنما يدل على أفضلية الصدقة على ذي الرحم الكاشح لا على أفضلية الصدقة على القريب مطلقا كما هو المطلوب فلا يتم التقريب ، وقد تنبه له بعض الفضلاء حيث قال : هذا الحديث لا يفي بتمام المدعى ولذلك لم يصدره بأداة التعليل ، إلا أن قوله ولذلك لم يصدره بأداة التعليل لا يجدي نفعا ، لأن ذلك الحديث في مقام التعليل هنا سواء صدره بأداة التعليل أو لم يصدره بها ، ولهذا صدره صاحب الكافي باللام حيث قال : لقوله عليه الصلاة والسلام { أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح } ثم إن بعض المتأخرين كأنه قصد دفع ذلك القصور وإصلاح المقام فقال في شرح قول المصنف لما فيه من الصدقة على القريب : هذا قياس من الشكل الأول كبراه مطوية وهي وكل صدقة على القريب أولى من الصدقة على غيره أقيم دليلها مقامها وهو قوله وقد قال عليه الصلاة والسلام { أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح } [ ص: 429 ] فإنه بصريحه يدل على أفضلية الصدقة على ذي رحم كاشح من الصدقة على ذي رحم غير كاشح . وتخصيص الكاشح بذي الرحم يدل على أفضلية الصدقة على ذي الرحم منها على غير ذي الرحم انتهى .

أقول : ليس ذاك أيضا بتام فإنا إن أغمضنا عن منع قوله فإنه بصريحه يدل على أفضلية الصدقة على ذي الرحم كاشح من الصدقة على ذي رحم غير كاشح نمنع جدا قوله وتخصيص الكاشح بذي الرحم يدل على أفضلية الصدقة على ذي الرحم على غير ذي الرحم ، فإن تخصيص الكاشح بذي الرحم إنما يدل على أن يكون للتصدق على ذي الرحم تأثير في أفضلية الصدقة ، كما أن لكونه كاشحا تأثيرا فيها ، ولا يلزم منه أن يكون التصدق على ذي الرحم الغير الكاشح أفضل من التصدق على غير ذي الرحم الكاشح ، لأن في كل منهما انتفاء أحد سببي الأفضلية المستفادين من الحديث الشريف ، فمن أين يعلم أفضلية أحدهما تأمل تقف .

( قوله وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم فالوصية أولى لأنه يكون صدقة على الأجنبي ، والترك هبة من القريب والأولى أولى ) أقول : لمانع أن يمنع كون الوصية صدقة على الأجنبي مطلقا ، إذ الأجنبي الموصى له قد يكون غنيا أيضا فلم يثبت أولوية الوصية من تركها على الإطلاق فيما إذا كانت الورثة أغنياء أو يستغنون بنصيبهم فتدبر .

( قوله ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يرد عليه بالعيب ) قال جماعة من الشراح منهم صاحب العناية : صورة الأول أن يشتري المريض شيئا ويوصي به لرجل ثم الموصى له يجده معيبا فإنه لا يرده على بائعه . وصورة الثاني أن يوصي بجميع ماله لإنسان ثم باع شيئا من التركة ووجد المشتري به عيبا لا يرده على الموصى له انتهى . أقول : في تصوير الثاني بما ذكر نظر ، لأن الموصي إذا باع شيئا من الموصى به يصير راجعا عن وصيته كما سيجيء تفصيله عن قريب ، [ ص: 430 ] ففي الصورة المذكورة يكون عدم ثبوت ولاية رد المشتري ما اشتراه من الموصي على الموصى له بالعيب لرجوع الموصي عن وصية ما باعه من التركة ببيعه وعدم تعلق حق الموصى له بذلك بعد تحقق الرجوع عن الوصية لا لكون الوصية إثبات ملك جديد فلا يتم التقريب .




الخدمات العلمية