الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ومن قطع يد عبد فأعتقه المولى ثم مات من ذلك ، فإن كان له ورثة غير المولى فلا قصاص فيه وإلا اقتص منه ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد : لا قصاص في ذلك ، وعلى القاطع أرش اليد ، وما نقصه ذلك إلى أن يعتقه ويبطل الفضل ) وإنما لم يجب القصاص في الوجه الأول لاشتباه من له الحق ، [ ص: 357 ] لأن القصاص يجب عند الموت مستندا إلى وقت الجرح ، فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى ، وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه وتعذر الاستيفاء فلا يجب على وجه يستوفى وفيه الكلام ، واجتماعهما لا يزيل الاشتباه لأن الملكين في الحالين ، بخلاف العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر إذا قتل ، لأن ما لكل منهما من الحق ثابت من وقت الجرح إلى وقت الموت ، فإذا اجتمعا زال الاشتباه .

ولمحمد في الخلافية وهو ما إذا لم يكن للعبد ورثة سوى المولى أن سبب الولاية قد اختلف لأنه الملك على اعتبار إحدى الحالتين والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى ، فنزل منزلة اختلاف المستحق فيما يحتاط فيه [ ص: 358 ] كما إذا قال لآخر بعتني هذه الجارية بكذا فقال المولى زوجتها منك لا يحل له وطؤها ولأن الإعتاق قاطع للسراية ، وبانقطاعها يبقى الجرح بلا سراية والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص . ولهما أنا تيقنا بثبوت الولاية للمولى فيستوفيا [ ص: 359 ] وهذا لأن المقضي له معلوم والحكم متحد فوجب القول بالاستيفاء ، بخلاف الفصل الأول ، لأن المقضي له مجهول ، ولا معتبر باختلاف السبب هاهنا لأن الحكم لا يختلف ، بخلاف تلك المسألة لأن ملك اليمين يغاير ملك النكاح حكما ، والإعتاق لا يقطع السراية لذاته بل لاشتباه من له الحق ، وذلك في الخطإ دون العمد لأن العبد لا يصلح مالكا للمال ، فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى ، وعلى اعتبار حالة الموت يكون للميت لحريته فيقضى منه ديونه وينفذ وصاياه فجاء الاشتباه .

أما العمد فموجبه القصاص والعبد مبقى على أصل الحرية فيه ، وعلى اعتبار أن يكون الحق له فالمولى هو الذي يتولاه إذ لا وارث له سواه فلا اشتباه فيمن له الحق ، وإذا امتنع القصاص في الفصلين عند محمد يجب أرش اليد ، وما نقصه من وقت الجرح إلى وقت الإعتاق كما ذكرنا لأنه حصل على ملكه ويبطل الفضل ، وعندهما الجواب في الفصل الأول [ ص: 360 ] كالجواب عند محمد في الثاني .

التالي السابق


( قوله وإنما لم يجب القصاص في الوجه الأول لاشتباه من له الحق ، [ ص: 357 ] لأن القصاص يجب عند الموت مستندا إلى وقت الجرح ، فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى ، وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه إلخ ) واعترض عليه بعض العلماء بأنه ما معنى هذا التردد وقد صرحوا فيما لو ضرب الأمة الحاملة فأعتق المولى الأمة ثم ألقته حيا فمات الولد بأن المعتبر حالة الضرب حتى تجب القيمة لا الدية ا هـ .

أقول : ليس هذا بشيء ، إذ قد صرحوا في بيان تلك المسألة بأنا اعتبرنا حالتي الضرب والتلف معا ، فأوجبنا القيمة دون الدية اعتبارا لحالة الضرب ، وأوجبنا قيمته حيا اعتبارا لحالة التلف ، وقد مر ذلك في الكتاب وشروحه مفصلا في أواخر فصل الجنين فكأن ذلك البعض حفظ بعض ما ذكر هناك ونسي بعضه فزعم أن المعتبر هناك حالة الضرب فقط .

( قوله وفيه الكلام ) قال صاحب النهاية : أي الكلام فيما إذا كان للعبد ورثة سوى المولى . وقال : ووصل شيخي بخطه الضمير في وفيه إلى وتعذر الاستيفاء لكن مآل ذلك إلى ما قلنا ا هـ .

وقال صاحب الكفاية : قوله وفيه الكلام : أي في وجوبه على وجه يستوفى ، ولا كلام في أصل الوجوب ; لأن الوجوب لإفادة الاستيفاء ، فإذا فات المطلوب منه سقط اعتباره ا هـ .

وقال صاحب الغاية : قوله وفيه الكلام : أي كلامنا في تحقق اشتباه من له حق استيفاء القصاص : يعني أن تعذر استيفاء القصاص لتحقق اشتباه من له الاستيفاء وقد تحقق الاشتباه فيما نحن فيه فيتعذر الاستيفاء ا هـ .

واختار صاحب العناية من بين تلك الأقوال ما ذكره صاحب النهاية من عند نفسه حيث قال : قوله وفيه الكلام : أي وفيما إذا كان له ورثة غير المولى ، ونقل سائر الأقوال بقوله وقيل وقيل وقيل . أقول : ما ذهب إليه صاحب النهاية في تفسير مراد المصنف هنا واختاره صاحب العناية ليس بشيء عندي ، لأن المصنف بعد أن قال فيما قبل وإنما لا يجب القصاص في الوجه الأول مريدا به ما إذا كان له ورثة غير المولى كما صرح به الشراح قاطبة كيف يحتاج هنا إلى أن يقول والكلام فيما إذا كان له ورثة غير المولى ، وهلا يكون هذا لغوا من الكلام كما يشهد به الفطرة السليمة . وأما ما ذهب إليه شيخ صاحب النهاية وما ذهب إليه صاحب الغاية فلا يخلو كل منهما عن الركاكة ، بل عن اللغوية أيضا كما يدركه الذوق الصحيح . وإنما الحق الصريح هنا ما ذهب إليه صاحب الكفاية ، إذ ينتظم المعنى حينئذ جدا ويتعلق الكلام بقريبه المتصل به من حيث اللفظ كما ترى .

( قوله فنزل منزلة اختلاف المستحق فيما يحتاط فيه ) قال جمهور الشراح في تفسير ما يحتاط فيه : أي الذي [ ص: 358 ] لا يثبت بالشبهات ، وقالوا : فإنه يحترز بهذا عمن قال لآخر لك علي ألف من قرض فقال المقر له بل من ثمن مبيع فإنه يقضي بالمال وإن اختلف السبب ، لأن ذلك من الأموال والأموال مما يقع فيها البدل والإباحة فلا يبالي باختلاف السبب ا هـ .

وقال صاحب العناية بعد نقل هذا عن الشروح : فيه نظر ، لأن الاحتراز بالذي لا يثبت بالشبهات إنما يكون عما يثبت بالشبهات والأموال ليست كذلك ا هـ .

أقول : هذا النظر ساقط جدا ، إذ لا شك أن الأموال مما يثبت بالشبهات ; ألا يرى إلى ما صرحوا به في كتاب الشهادة من أن في شهادة النساء شبهة البدلية لقيامها مقام شهادة الرجال فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات من الحدود والقصاص وتقبل فيما سوى ذلك من الحقوق مالا كانت أو غير مال . ثم قال صاحب العناية : والأولى أن يفسر ما يحتاط فيه بالدماء والفروج ، فإنه استشهد بعده بحل الوطء وهو مما يثبت بالشبهات ا هـ .

أقول : فيه خلل أما أولا فلأن المصنف ما استشهد بعده بحل الوطء وإنما استشهد بعدم حله كما ترى . وأما ثانيا فلأن حل الوطء ليس مما يثبت بالشبهات قطعا . نعم لا يجب الحد بالوطء بشبهة الملك أو بشبهة المحل ، لكن لا يحل الوطء بشيء من ذلك كما عرف في كتاب الحدود . فإن وجه الخلل الأول بتقدير المضاف بأن يكون الأصل بعدم حل الوطء يبقى الخلل الثاني بلا تحمل توجيه . ثم إن بعض الفضلاء قال في نقل عبارة العناية : وهو ما يثبت بالشبهات بدل وهو مما يثبت بالشبهات ، وقال لفظة " ما " نافية . أقول : نسخ العناية التي رأيناها لا توافق ما ذكره ، وعلى فرض صحة ذلك لا يرتفع الإشكال عن كلام صاحب العناية هنا ، لأنه لما فسر ما يحتاط فيه بالدماء والفروج لزم أن يحترز به عن الأموال بالضرورة لأنها ليست من الدماء ولا من الفروج ، فإن كان عبارة العناية فإنه استشهد بعده بحل الوطء وهو ما يثبت بالشبهات وكان لفظة ما نافية لزم أن يرد عليه مثل النظر الذي أورده على سائر الشروح بأن يقال : الأموال أيضا لا تثبت بالشبهات على زعمك فصارت كما استشهد به ، فما معنى الاحتراز عنها بتفسير ما يحتاط فيه بالدماء والفروج فيلزم أن يكون ما عده أولى مشترك الإلزام تأمل تفهم .

( قوله ولأن الإعتاق قاطع للسراية ، وبانقطاعها يبقى الجرح بلا سراية والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص ) هذا دليل آخر لمحمد رحمه الله تعالى ، وذلك لأن الإعتاق يصير النهاية [ ص: 359 ] مخالفة للبداية وذلك يمنع القصاص ; ألا يرى أن من جرح عبد إنسان ثم أعتقه مولاه ثم مات العبد من تلك الجراحة لم يكن عليه القصاص ولا القيمة ، وإنما يضمن النقصان ; فإن كان خطأ فبالاتفاق ، وإن كان عمدا فعند محمد رحمه الله تعالى ، لأن الدليل وهو مخالفة النهاية للبداية لا يفصل بينهما ، وبانقطاعهما يبقى الجرح بلا سراية والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص كأنه تلف بآفة سماوية ، كذا في العناية وكثير من الشروح . وقال في العناية بعد ذلك : فإن قيل : ينبغي أن يجب أرش اليد للمولى لكونه جرحا بلا سراية . أجيب بأنه لا يجب نظرا إلى حقيقة الجناية وهو القتل ، لأنه إذا سرى تبين له أن الجناية قتل لا قطع ا هـ .

أقول : فيه بحث ، وهو أنه إن أراد بقوله في السؤال ينبغي أن يجب أرش اليد للمولى أنه ينبغي أن يجب ذلك في مسألة الكتاب كما هو الظاهر من قوله : أرش اليد دون أن يقول أرش الجرح فلا ورود للسؤال المذكور أصلا ، إذ يجب أرش اليد للمولى عند محمد في مسألة الكتاب على ما صرح به في الكتاب ، فلا مجال للسؤال على دليل محمد رحمه الله بأنه ينبغي على مقتضاه أن يجب أرش اليد للمولى ، وإن أراد به أنه ينبغي أن يجب ذلك في المسألة التي ذكروها هاهنا على سبيل التنوير ، وهي أن من جرح عبد إنسان ثم أعتقه مولاه ثم مات العبد من تلك الجراحة فللسؤال المذكور ورود ، ولكن الجواب عنه بما ذكره منقوض بمسألة الكتاب فإنه يجري فيها أيضا مع أنه يجب فيها أرش اليد عند محمد كما تحققته تدبر .

( قوله وذلك في الخطإ دون العمد لأن العبد لا يصلح مالكا للمال ، فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى ، وعلى اعتبار حالة الموت يكون للميت لحريته فجاء الاشتباه ) أقول : في هذا المقام ضرب من الإشكال لأن الحق على اعتبار حالة الموت وإن كان للميت ، إلا أنه لا يتقرر عليه بل ينتقل إلى المولى بالوراثة ، [ ص: 360 ] فكان من له الحق في المال على كلتا الحالتين هو المولى فلا اشتباه ; ألا يرى إلى قول المصنف في صورة العمد وعلى اعتبار أن يكون الحق للعبد فالمولى هو الذي يتولاه ، إذ لا وارث سواه فلا اشتباه فيمن له الحق ، وإن ادعى أن اختلاف من له الحق ابتداء كاف في تحقق الاشتباه المقتضي لقطع الإعتاق السراية واتحاده بالنظر إلى الانتهاء ، والمال غير مفيد في دفع ذلك يتجه الإشكال على صورة العمد ، فإن حق القصاص في هاتيك الصورة للعبد على اعتبار حالة الجرح لكون العبد مبقى على أصل الحرية في حق القصاص كما صرحوا به ، وللمولى على اعتبار حالة الموت بناء على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى من أن حق استيفاء القصاص ثابت للوارث ابتداء من غير أن ينتقل إليه بطريق الوراثة كما في الدية ، لأن ملك القصاص إنما يثبت بعد الموت والميت ليس من أهله لأنه ملك الفعل ولا يتصور الفعل من الميت ، بخلاف الدية لأن الميت من أهل الملك في الأموال ، كما إذا نصب شبكة وتعقل بها صيدا بعد موته على ما تقرر كله في أول باب الشهادة في القتل من كتاب الجنايات فيلزم اشتباه من له الحق ابتداء في صورة العمد أيضا على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، فلا يظهر الفرق بين صورتي الخطإ والعمد بالوجه المذكور في الكتاب على أصله فلا يتم التقريب على قوله في مسألتنا فليتأمل في الدفع




الخدمات العلمية