الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر الضرب فلا شيء على أهل المحلة ) لأنه لا يفوق الكبير حالا ( وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم ) لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا ( وإن كان ناقص الخلق فلا شيء عليهم ) لأنه ينفصل ميتا لا حيا .

التالي السابق


( قوله ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر الضرب فلا شيء على أهل المحلة ) أقول : في تحرير هذه المسألة بهذا الأداء فتور من وجوه : الأول : أن الجنين على ما صرح به في عامة كتب اللغة الولد ما دام في البطن فكيف يتصور أن يوجد فيهم جنين وحده وهو في بطن أمه ؟ أما وجوده مع أمه فهو بمعزل عما نحن فيه لكون الحكم هناك للأم دون الجنين . والثاني أن ذكر الجنين يغني عن ذكر السقط ، لأن السقط على ما صرح به في كتب اللغة الولد الذي سقط قبل تمامه ، والجنين يعم تام الخلق وغير تامه . والثالث أن قوله ليس به أثر الضرب غير كاف في جواب المسألة ، إذ لا بد فيه من أن لا يكون به أثر الجراحة والخنق أيضا كما تقرر فيما سبق . فالاقتصار هنا على نفي أثر الضرب تقصير ، والأظهر أن يقال : ولو وجد فيهم ولد صغير ساقط ليس به أثر القتل فلا شيء عليهم تدبر .

( قوله وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم ، لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا ) فإن قيل : الظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق ولهذا قلنا في عين الصبي ولسانه وذكره إذا لم تعلم صحته حكومة عدل عندنا وإن كان الظاهر سلامتها . أجيب بأنه إنما لم يجب في الأطراف قبل أن يعلم صحتها ما يجب في السليم لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال وليس لها تعظيم كتعظيم النفوس فلم يجب فيها قبل العلم بالصحة قصاص أو دية ، بخلاف الجنين فإنه نفس من وجه عضو من وجه ، فإذا انفصل تام الخلق وبه أثر الضرب وجب فيه [ ص: 382 ] القسامة والدية تعظيما للنفوس ، لأن الظاهر أنه قتيل لوجود دلالة القتيل وهو الأثر ، إذ الظاهر من حال تام الخلق أن ينفصل حيا ، وأما إذا وجد ميتا ولا أثر به فلا يجب فيه شيء لأن لا تفوق حال الكبير ، وإذا وجد الكبير ميتا ولا أثر به لا يجب فيه شيء فكذا هذا ، كذا قال جمهور الشراح . ورد صاحب العناية جوابهم المزبور حيث قال بعد ذكر السؤال والجواب : وهذا كما [ ص: 383 ] ترى مع تطويله لم يرد السؤال وربما قواه ، لأن الظاهر إذا لم يكن حجة للاستحقاق في الأموال وما يسلك بها مسلكها فلأن لا يكون فيما هو أعظم خطرا أولى انتهى .

أقول : ليس الأمر كما زعمه ، فإن حاصل جوابهم منع عدم كون الظاهر حجة للاستحقاق في باب القسامة فإنه يكون حجة للاستحقاق فيه تعظيما لأمر النفوس وصيانة لها عن الإهدار . وعن هذا قالوا : يجب الدية بالقتل الموجود منهم ظاهرا لوجود القتيل بين أظهرهم ، فقوله لأن الظاهر إذا لم يكن حجة للاستحقاق في الأموال وما يسلك بها مسلكها فلأن لا يكون فيما هو أعظم خطرا أولى ممنوع ، فإن ما لزم من عدم كون الظاهر حجة في الأموال وما يسلك به مسلكها إهدار أمر حقير ، وما لزم من عدم كونه حجة في النفوس إهدار أمر خطير ، ولا شك أن إهدار الحقير أهون وأولى من إهدار الخطير .

ثم قال صاحب العناية : والصواب أن يقال : الظاهر هنا اعتبر دافعا لما عسى يدعي القاتل عدم حياته . وأما دليل الاستحقاق فهو حديث حمل بن مالك وهو قوله صلى الله عليه وسلم { أسجع كسجع الكهان ، قوموا فدوه } انتهى . أقول يرد عليه أن حديث حمل بن مالك ورد في جنين انفصل ميتا ، وموجبه الغرة وهي نصف عشر الدية ، وإنما سماها رسول الله [ ص: 384 ] صلى الله عليه وسلم دية حيث قال فدوه لكونها بدل النفس كما تقرر في باب الجنين ، والكلام هنا في جنين انفصل حيا بناء على أن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا والموجب فيه القسامة والدية كما ذكر في الكتاب ، فأين هذا من ذلك . وقد كان صاحب العناية ذكر حديث حمل بن مالك في باب الجنين على التفصيل حيث قال : وهذا الحديث حديث حمل بن مالك بالحاء المهملة والميم المفتوحتين ، قال { كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما بطن صاحبتها بعمود فسطاط أو بمسطح خيمة فألقت جنينا ميتا فاختصم أولياؤها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام لأولياء الضاربة : دوه ، فقال أخوها : أندي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يطل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أسجع كسجع الكهان } وفي رواية { دعني وأراجيز العرب ، قوموا فدوه } الحديث انتهى فكأنه نسي ما قدمت يداه




الخدمات العلمية